Menu

أحمد الأوَّل .. السلطان العثماني الصغير الذي حكم صبياً ومات فتياً

تركيا العثمانية / قسم المتابعة/ كتب : د. علي الصلابي 

تولّى السلطان أحمد الحكم في صباه في سن صغيرة بعد وفاة والده وعمره 14 سنة، ولم يجلس أحدٌ قبله من السلاطين العثمانيِّين في هذه السِّنِّ على العرش، هو أصغر سلاطين الدولة العثمانية على الإطلاق، ولد في مانيسا في 18 أبريل 1590م، وتوفي في 22 نوفمبر 1617م، كان سلطان الإمبراطورية العثمانية وذلك من عام 1603 حتى وفاته في عام 1617م، اسمه الكامل أحمد خان الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغل،

وكانت أحوال الدَّولة في عصره مرتبكةً جدَّاً؛ بسبب صغر سنه، حيث تعرضت لاضطرابات داخلية، وانشغلت بحروب النِّمسا في أوربة، وحرب إيران، والثَّورات الدَّاخليَّة في آسيا. فأتمَّ ما بدأ به أبوه من تجهيزاتٍ حربيَّةٍ وما لبث أن أظهر جلدًا وحزمًا، وعمل بجدية في إدارة شؤون الدولة، ولم يترك كل شيء لوزرائه، وحاول جاهدًا حماية مصالح الدولة، وامتاز- إلى جانب ذلك- بأنه كان متدينًا، معتدلاً في مظهره، شاعرًا، فارسًا، يستخدم السلاح بمهارة، ومن أهم أحداث حكمه:

الحرب مع النِّمسا والدُّول الأوربيَّة:

عيَّن السُّلطان أحمد لالا محمَّد باشا صدراً أعظم خليفةً للصَّدر الأعظم يمشجي حسن باشا، حيث كان سرداراً عاماً للجيوش الَّتي جاهدت في النِّمسا، وهو من خيرة قوَّاد الجيوش، فاهتمَّ بتقوية الجيوش العثمانيَّة، وحاصر قلعة إستراغون، وفتحها. كما حارب إِمارات الأفلاق، والبغدان، والأردل، وعقد صلحاً معهم. ولمَّا مات لالا باشا خلفه قبوجي مراد باشا صدراً أعظم، وكان قائداً لإِحدى فرق الجيش.

وقد نجحت الجيوش العثمانيَّة في هزيمة النِّمسا، واسترداد القلاع الحصينة من مدن يانق، وإستراغون، وبلغراد، وغيرها، كما نجحت الجيوش العثمانيَّة في جهادها بالمجر، وهزمت النِّمسا هناك. ونجم عن ذلك، قبول النِّمسا بطلب الصُّلح، ودفع جزية للدَّولة العثمانيَّة، مقدارها مئتا ألف دوكةٍ من الذَّهب، وبقيت بلاد المجر بموجب هذه المعاهدة تابعةً للدَّولة العثمانيَّة.

وجرت حروبٌ بحريَّةٌ بين السُّفن العثمانيَّة، وسفن إسبانيا، ورهبان القدِّيس يوحنَّا في مالطة، والإِمارات الإِيطاليَّة، وتراوح النَّصر بين الجانبين.

تجديد الامتيازات:

جدَّدت الدَّولة امتيازات فرنسا، وإِنجلترا على مثلها، كما جدَّدت الاتِّفاقيَّة مع بولونيا، بحيث تمنع الدَّولة تتار القرم من التعدِّي على بولونيا، وتمنع بولونيا القازاق، من التعدِّي على الدَّولة العثمانيَّة، وتحصَّلت هولَّندا على امتيازاتٍ، واستغلَّت ذلك في نشر الدُّخان داخل ديار الإِسلام، وبدأ تعاطيه من قبل الجنود، فأصدر المفتي فتوى بمنعه، فهاج الجند، وأيَّدهم الموظَّفون، فاضطر العلماء إِلى السُّكوت عنه، وهكذا أصبح الجند ينقادون خلف شهواتهم، ويعترضون على العلماء، وإِنَّ القوى الأجنبيَّة الكافرة تهتمُّ بنشر كلِّ محرمٍ في أوساط المسلمين.

ثالثاً: الحرب مع الشِّيعة الصَّفويَّة (الفرس):

انتهز الشَّاه عبَّاس الصَّفويُّ فرصة اضطراب الدَّولة العثمانيَّة، وباشر في تخليص عراق العجم، واحتلَّ تبريز، ووان، وغيرهما، واستطاع أن يحتلَّ بغداد، والأماكن المقدَّسة الشِّيعيَّة في النَّجف، وكربلاء، والكوفة، وقد زارها وسط مظاهر الإِجلال والتَّقديس، وقد أورد بعض المؤرِّخين: أنَّه قضى عشرة أيام في زيارته للنَّجف حيث قام بنفسه بخدمة الحجَّاج في ذلك المكان، كما يذكرون أيضاً: أنَّه إِمعاناً في إِعلان تمسُّكه بالمذهب الشِّيعي، وولائه للرَّفض، وعلى الرَّغم من تعصُّبه الشَّديد للمذهب الشِّيعي إِلا أنَّه رفع أيدي رجال الدِّين عن التَّدخُّل في شؤون الحكم، والسِّياسة، ومارس نوعاً من السُّلطة المطلقة في حكم البلاد.

وأقد أنزل الشَّاه عبَّاس الصَّفويُّ أقسى أنواع العقاب بأعداء الدَّولة من السُّنَّة؛ فإِمَّا أن يقتلوا، أو تسمل عيونهم، ولم يكن يتسامح مع أيٍّ منهم إِلا إِذا تخلَّى عن مذهبه السُّنِّي، وأعلن ولاءه للمذهب الشِّيعيِّ. واضطرت الدَّولة العثمانيَّة أن تترك للدَّولة الصَّفويَّة الرَّافضيَّة الشِّيعيَّة جميع الأقاليم، والبلدان، والقلاع، والحصون الَّتي فتحها العثمانيُّون في عهد السُّلطان الغازي سليمان الأوَّل بما فيها مدينة بغداد. وهذه أوَّل معاهدة تركت فيها الدَّولة بعض فتوحاتها، وكانت فاتحة الانحطاط، والضَّعف، وأولى المعاهدات الَّتي دلَّت على ضعف الدَّولة العثمانيَّة.

لقد بالغ الشَّاه عبَّاس الصَّفويُّ في عدائه للمذهب السُّنِّي، واتَّصل بملوك المسيحيِّين، وإِمعاناً في ضرب الدَّولة العثمانيَّة حامية المذهب السُّنِّيِّ، فقد عقد اتفاقات تعاونٍ مشتركٍ معهم من أجل تقويض أركان الدَّولة العثمانيَّة السُّنِّيَّة، ولم يكن يعبأ حتَّى إِذا قدَّم العديد من التنازلات للدُّول الأوربيَّة تأكيداً لتعاونه معهم انطلاقاً من عدائه للدَّولة العثمانيَّة.

وعامل الشَّاه عباس الصَّفويُّ المسيحيِّين في إِيران معاملةً حسنةً على عكس معاملته للسُّنَّة، وقد كان لمعاملته المتميِّزة للمسيحيِّين أن نشطت الحركة التَّنصيريَّة المسيحيَّة في إيران، كما شجَّع التُّجار الأوربيِّين في عقد صفقاتٍ تجاريَّةٍ كبيرةٍ مع التُّجار في إِيران، وأصبحت إيران سوقاً رائجاً للتِّجارة الأوربيَّة. لقد توَّج تسامحه مع المسيحيِّين بأن أعلن في عام 1007هـ/1598م أوامره بعدم التَّعرض لهم، والسَّماح لهم بحرِّيَّة التَّجوُّل في ربوع الدَّولة الصَّفويَّة.

وجاء بالمرسوم الَّذي أصدره شاه الدَّولة الصَّفويَّة ما يلي: (... من اليوم يسمح لمواطني الدَّولة المسيحيَّة، ومن يدينون بدينهم بالحضور إِلى أيِّ بقعةٍ من وطننا، ولا يسمح لأيِّ شخصٍ بأيِّ حالٍ من الأحوال إِهانتهم، ونظراً لما بيننا وبين الملوك المسيحيِّين من علاقاتِ ودٍّ ومحبَّة، فيسمح للتُّجار المسيحيِّين بالتَّجوُّل في جميع أنحاء إِيران، ومزاولة نشاطهم التِّجاري في أيِّ بقعةٍ من الوطن، دون أن يُتعرَّض لهم بالإِيذاء من أيِّ شخصٍ، سواءٌ كان حاكماً، أو أميراً، أو خاناً، أو موظفاً، أو تابعاً للدَّولة، كما تعفى جميع أموال تجارتهم الَّتي يحضرونها معهم من ضرائب المال، وليس لأيِّ شخصٍ مهما بلغت مكانته أن يزاحمهم، أو يكلِّفهم المشاقَّ، وليس من حقِّ رجال الدِّين مهما كانت طوائفهم التَّجرُّؤ على الإضرار بهم، أو التحدُّث معهم بخصوص العقائد المذهبيَّة).

لقد جامل الشَّاه عباس الصَّفويُّ المسيحِّيين، وشرب معهم الخمر احتفالاً بأعيادهم، كما أنَّه سمح لهم بالتَّبشير بالمسيحيَّة في داخل إِيران، وأعطاهم امتيازاتٍ ببناء الكنائس المسيحيَّة في كبرى المدن الإِيرانيَّة، وهذه المعاملة للمسيحيِّين كانت نكايةً في الدَّولة العثمانيَّة السُّنِّيَّة، فإِنَّ تاريخ أعداء الإسلام طافحٌ بالعداوة، والبغضاء لأهل السُّنَّة، ودولتِهم الميمونةِ أينما كانوا، وحيثما وجدوا، ولا يزال هذا العداء مستمرَّاً رغم الشِّعارات السِّياسيَّة الرَّنانة الَّتي يرفعونها بين الحين والآخر.

الحركات الانفصاليَّة:

ظهرت إِلى حيِّز الوجود في عصر السُّلطان أحمد الأوَّل حركاتٌ داخليَّةٌ تهدف إِلى تقويض كيان الدَّولة، وبنيانها مثل حركة «جان بولاد» الكردي، وحركة والي أنقرة «قلندر أوغلي»، وحركة فخر الدِّين الدُّرزي المعني الثَّاني حفيد «فخر الدِّين المعني الأول» الذي انضمَّ إِلى السُّلطان سليم الأوَّل عندما دخل الشام عام (922هـ). وسبَّبت تلك الحركات اضطراباتٍ داخليةً؛ حتَّى هيَّأ الله للدَّولة وزيراً محنَّكاً، أكسبه تقدُّم السِّنِّ مزيداً من الخبرات، والتَّجارب، فعُيِّن صدراً أعظم كان عوناً للسُّلطان الفتيِّ، وانتصر على الثَّائرين، وخاصة ثائر الأناضول «قلندر أوغلي» الَّذي كان قد عُيِّن والياً على أنقرة، فقد نكَّلت به الدَّولة، وتمكَّن الصَّدر الأعظم قبوجي مراد باشا من تطهير الأناضول من أولئك الثَّائرين.

وفاة السُّلطان أحمد الأوَّل:

كان رحمه الله في غاية التَّقوى، وكان رجلاً مثابراً في الطَّاعات، ويباشر أمور الدَّولة بنفسه، وكان متواضعاً في ملابسه، وكان كثير الاستشارة لأهل العلم، والمعرفة، والقيادة، عرف عنه بأنه يعشق الآثار المعمارية، فعمل على بناء عدد من الآثار التي ما زالت راسخة إلى يومنا هذا مثل: مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق، وكلية مراد باشا التعليمية، ومسجد المسيح باشا في إسطنبول، ومسجد عمر باشا في إسطنبول، وكان شديد الحبِّ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي عهده بدأ إِرسال ستائر الكعبة الشَّريفة من إستانبول، وقبل ذلك كانت ترسل من مصر، توفي رحمه الله في 1617م ودفن عند جامع سلطان أحمد، وكان يحمل هذه الأبيات الشِّعرية واضعاً إِيَّاها تحت عِمامته:

أَرْغَبُ دَوْمَاً فِي حَمْلِ صُوْرَةِ انْطِبَاعِ أَقْدَامِ النَّبِيِّ عَالِي المَقَامْ

مَنْ هُوَ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ فَوَرْدَةُ حَدِيْقَةِ الأَنْبِيَاءِ مَلِكَةُ هَذِه الأَقْدَامِ الشَّرِيْفَة

فَيَا أَحْمَدِيُّ لاَ تَتَرَدَّدْ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَمَرِّغْ وَجْهَكَ بِأَقْدَامِ الوَرْدَةِ الرَّفِيْعَةِ الشَّرِيْفَة

المصدر :  خاص ترك برس


مراجع البحث:

- د. علي محمّد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص (243: 246).
- د. إِسماعيل ياغي، الدَّولة العثمانيَّة في التاريخ الإِسلامي الحديث، مكتبة العبيكان، الطَّبعة الأولى 1416هـ/1996م، ص (105).
- د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، الدَّولة العثمانيَّة، أخطاء يجب أن تصحَّح في التاريخ، دار الوفاء، الطَّبعة الأولى، 1414هـ/1994م ، ص (70 - 72).
- د. علي حسُّون، تاريخ الدَّولة العثمانيَّة، المكتب الإِسلامي، الطَّبعة الثَّالثة، 1415هـ/1994م. ص (132 - 133).
- د. محمد نصر مهنا، الإِسلام في آسيا منذ الغزو المغولي، الطَّبعة الأولى، 1990/1991، المكتب الجامعي الحديث، ص (249 -250 - 251).
- محمَّد فريد بك، تاريخ الدَّولة العليَّة العثمانيَّة، تحقيق الدُّكتور إِحسان حقِّي، دار النَّفائس، الطَّبعة السَّادسة، 1408هـ/1988م ، ص (272).