Menu

هكذا سعى السلطان عبد الحميد الثاني لشرح قضية الأرمن للغرب


تركيا العثمانية / قسم المتابعة/ نشرت صحيفة "صباح" التركية مقال رأي للمؤرخ والكاتب التركي، إرهان أفيونجو، تحدث فيه عن المساعي التركية، التي كانت قد بدأت قبل 122 سنة، لشرح حقائق قضية الأرمن.

وقال المؤرخ التركي، في مقاله الذي ترجمته "عربي21"، إن مشكلة الأرمن تعود في الواقع إلى سنة 1800، وجرى تداولها في العالم بعد اتفاقية برلين سنة 1878، لكن العالم يركز في حديثه على أحداث 24 نيسان/ أبريل سنة 1915، ولذلك، فإنّ أول من حاول شرح حقائق قضية الأرمن هو السلطان عبد الحميد الثاني، عندما استدعى السفير الأمريكي سنة 1897 وتناول معه هذه القضية.

وقضى عبد الحميد معظم سنوات حُكمه وهو يُحاول شرح الحقائق المتعلقة بقضية بالأرمن، وكان يُدرك البعد السياسي الذي وصلت إليه القضية، وعمل على إيصال هذه الحقائق للشعوب الغربية وحكوماتها، وفي الوقت ذاته، اتخذ كافة التدابير لمواجهة "إرهاب العصابات الأرمينية". 

وأشار أفيونجو إلى أن عبد الحميد كان يستدعي بين الفينة والأخرى الكثير من السفراء والصحفيين الغرب إلى قصر يلدز، ليتحدث معهم حول قضية الأرمن. وسعى من خلال ذلك إلى نشر هذه الحقائق في الصحف والمجلات الغربية.


وكان هذا الأمر قد نقله أيضا الكاتب وحيد الدين في كتابه "الدولة العثمانية على مائدة الذئاب"، الذي أكد فيه أن السلطان عبد الحميد الثاني استضاف السفير الأمريكي وشرح له تفاصيل قضية الأرمن، وقد انتشرت تفاصيل هذه المقابلة في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1897 في مجلة "القرن".

ونقل أفيونجو ما ورد في بعض مذكرات السفير الأمريكي حينها، الذي ذكر أنه ذهب إلى قصر يلدز في آذار/ مارس سنة 1897 من أجل مشاهدة حفل السلام السلطاني، وبقي في حضرة السلطان العثماني مدة ساعتين، حيث تحدثا خلالها حول قضية الأرمن، وكيف تعاملت معها الدولة العثمانية بصورة لبقة، كما طلب منه السلطان العثماني أن ينقل هذه الحقائق للرأي العام في أمريكا.
 
وذكر الكاتب، بشأن الأدلة والبراهين التي استدل بها عبد الحميد على حُسن المعاملة التي تلقاها الأرمن في عهد الخلافة العثمانية، أن السلطان عبد الحميد أكّد للجميع أن الأرمن يشعرون بالأمن في كنف الدولة العثمانية، ولهذا ازدهرت تجارتهم وأصبح عدد منهم من طبقة الأغنياء. كما أخبرهم أن والده، السلطان عبد المجيد، كان قد استأمن مصنع البارود لرجل من الأرمن اسمه داديان، الذي كان بإمكانه صناعة البارود بصورة سيئة ليُلحق الأذى بالجنود العثمانيين. لكن السلطان عبد المجيد وثق به وأصبح داديان غنيا وصاحب ثروة بفضل هذا المصنع. والأمر ذاته ينطبق على عائلات غنية من الأرمن على غرار أوغوليان وآغوب وباليان وغيرها.

كما أن عبد الحميد نفسه استأمن رجلا أرمنيا يُدعى بُرتقاليان أفندي على خزينته الشخصية، وأصبح هذا الأرمني يُدير ممتلكات عبد الحميد الشخصية، وعمل لديه الكثير من العاملين من الأرم،. وطلب عبد الحميد منح قائمة هذه الأسماء من العاملين الأرمن للصحف الغربية وللسفير الأمريكي حتى يُصدق الأمر بنفسه.

ونقل أفيونجو تكملة حديث السلطان عبد الحميد للسفير الأمريكي، عندما أخبره أنّ الدولة العثمانية اعتنت كثيرا بالأرمن، وتصرفت معهم بصورة حسنة للغاية، وأصبح منهم الأغنياء والأثرياء، ولكنهم استفادوا من هذا الثراء والغنى وأرادوا من خلال عصاباتهم نشر الفساد والفتنة في الدولة العثمانية.

وذكر السلطان عبد الحميد أيضا أن الأرمن لجأوا عبر التاريخ لحماية الدولة العثمانية، عندما تعرضوا لهجمات المغول والإيرانيين، وتعاملت معهم الدولة العثمانية بكل وُد وحُب، وقدمت الحماية اللازمة لأموالهم وأعراضهم وحياتهم. وعمل الأرمن في كنف الدولة العثمانية في مجال التجارة، التي أصبح جزء كبير منها تحت سيطرتهم، وعاشوا على مدار 400 سنة في ظل الدولة العثمانية بأمن وأمان، ومارسوا طقوسهم الدينية بكل حرية، وامتلكوا خلال هذه السنوات ثروات وممتلكات كبيرة.

وأورد أفيونجو ردّ السفير الأمريكي على السلطان عبد الحميد، الذي ذكر أن الرأي العام في أمريكا كان يعتقد أن الأتراك قتلة وأنهم قتلوا الأرمن لأنهم أتباع للديانة المسيحية، حيث وصل هذا الأمر للحكومة الأمريكية ونشرته صحيفة "الإندبندنت" في تقرير لها سنة 1893، ومن المؤكد أنّ الحكومة الأمريكية كانت لا ترغب بالتدخل في الأحداث الجارية في الأناضول.

 وأضاف السفير خلال حديثه أن الكثير من الكتاب الأمريكيين والإنجليز كانوا يمدحون حُسن المعاملة التي يتميز بها المسلمون، وهذا الأمر كان واضحا أيضا في الأحداث التاريخية، وعلى سبيل المثال، عندما فتح صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس، ورغم سوء المعاملة التي ارتبطت بالحملات الصليبية، إلا أنّ صلاح الدين الأيوبي تعامل برفق ورحمة وإنسانية مع خصومه، ولذلك، عندما زرتُ قبره في دمشق رفعتُ قبعتي احتراما وتقديرا له.

واختتم المؤرخ مقاله بالقول إنّ هذه القضية التي لا يتوانى الرؤساء الأمريكيون في تداولها منذ 100 سنة، كانت أيضا الشغل الشاغل للسلطان عبد الحميد الثاني، والذي عمل جاهدا لدحض هذه الافتراءات بالأدلة والبراهين، وسعى لإيصال الحقائق للرأي العام في الدول الغربية وفي أمريكا.