Menu

مقومات فوز أردوغان بالانتخابات الرئاسية

تركيا العثمانية

 

"في ظرف عام بعد تولي هذا الشاب شؤون المدينة تغير كل شيء، توفرت وسائل المواصلات والنقل، وتوفرت المساكن للفقراء الباحثين عن مأوى، وأصبحت المرافق تعمل بصورة جيدة في كل شيء، حتى المياه التي كانت شحيحة أصبحت فائضة عن الحاجة".

شهادة سجّلها الدكتور عبد الودود شلبي في كتابه "جنرالات تركيا لماذا يكرهون الإسلام"، بحق رجب طيب أردوغان، الذي كان يتولى آنذاك منصب عمدة اسطنبول من قِبَل حزب الرفاه، واستطاع في ظرف عام أن يجعل المدينة العريقة أنموذجا يحلم بتعميمه الأتراك.

لقد كانت تلك الإنجازات بوابة عبور حزب العدالة والتنمية - الذي أنشأه أردوغان ورفاقه فيما بعد – إلى قيادة الدولة التركية، اعتمادا على رصيد التجربة الذي ظل عالقا في أذهان الجماهير، فكان ذلك النموذج السابق أحد العوامل الهامة في نجاح الحزب.

وبرصيد التجربة أيضا، يدخل أردوغان سباق الانتخابات الرئاسية المُبكرة المُزمع عقدها بعد أقل من شهرين، وبها يمتاز عن أي مرشح رئاسي محتمل لأحزاب المعارضة.

لا يستطيع أحد إنكار أن شخصية أردوغان هي الأكثر تأثيرا في الحياة التركية، وأن اسمه ارتبط ارتباطا وثيقا بالطفرة الاقتصادية التي انتقلت بها تركيا إلى مجموعة العشرين، رغم الضربات القاسية التي استهدفت الاقتصاد التركي في الداخل والخارج.

ربما كانت رغبة أردوغان في تفادي ترنُّح الاقتصاد مع طول الوقت، أحد أبرز الأسباب التي دعته للسعي إلى عقد الانتخابات المبكرة، التي تقضي على حالة الغموض السياسي، وتُوحِّد رأسيْ السلطة بتثبيت النظام الرئاسي الذي استُفتيَ عليه الشعب، ومن ثم ينعكس الاستقرار السياسي على اقتصاد الدولة.

يدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية بعد أن أخذت تركيا مكانها في المنطقة والمجتمع الدولي، وأصبحت عنصرا فاعلا مؤثرا في الأحداث الإقليمية والعالمية، وخرجت عن قضبان التبعية لأمريكا، وصارت لها علاقاتها المفتوحة مع قوى متعددة، وامتلكت غذاءها وسلاحها، واتجهت إلى علاقات قوية مع الدول العربية كعُمق استراتيجي لها، ووسّعت علاقاتها في القارة الإفريقية.

يدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية مُستثمرا ملحمة إحباط الانقلاب الذي أثبت خلالها صموده وحُسن إدارته للأزمة، وجاء تلاحم القيادة والشعب على نحو يخالف كل توقعات المُخططين والمُنفّذين للانقلاب، وهذه الملحمة بلا شك لا تزال أصداؤها جلِيّة، يُحسب فيها النصر للقيادة والشعب معًا، الأمر الذي سيدفع كثيرا من أبناء الشعب للتصويت لصالح أردوغان كصمام أمان.

ويدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية وقد انتقلت البلاد في عهده إلى العالمية عن طريق حسن استغلال القوة الناعمة، وغزت الثقافة التركية العديد من دول العالم، أحد مفردات هذه القوة الناعمة كان تيار الدراما التاريخية الهادفة الذي رعتْه الدولة، لإعادة الأتراك إلى تراثهم العثماني من جهة، ونشر الثقافة التركية من ناحية أخرى.

كما يدخل أردوغان سباق الانتخابات الرئاسية بنصر عسكري وسياسي كبير تحقق في عملية غصن الزيتون، والتي حالت دون إقامة دولة كردية في الشمال السوري تُهدد الأمن القومي التركي، وهي عملية لاقت توافقا شعبيا ورسميا هائلا، ورفعت أسهم العسكرية التركية وأثبتت جهوزيتها وتفوقها.

ولا شك أن نجاح عملية غصن الزيتون يضاف إلى رصيد أردوغان، والذي سيتيح له الفوز وتثبيت النظام الرئاسي، استكمال العمليات العسكرية المتعلقة بمنظومة الأمن القومي لتركيا.

كما يدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية وليس أمامه مُرشّح قوي حتى الآن يمكنه منافسته على المقعد الرئاسي، خاصة وأن المرشحين لا يملكون رصيدا من النجاحات على أرض الواقع أو تجارب يمكن الاستناد إليها.

الرئيس السابق عبد الله غل، كان التكهّن بترشحه من قبل المعارضة محلّ جدل واسع، باعتباره شخصية لها وزنها وثقلها وخبرتها السياسية، ودخوله في سباق الانتخابات ربما يُغير المعادلة أو يمثل تهديدا لنجاح أردوغان، رغم أن ابتعاده عن الحياة السياسية لا شك سيكون له تأثير على التصويت له، لكنه قد ظهرت من خلال التصريحات الأخيرة للمعارضة أن الفكرة مرفوضة، ومن ثَم فليس هناك شخصية تُضاهي أو تقترب في تأثيرها من شخصية أردوغان.

ويدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية وحزبه في كامل استعداداته وبرؤية واضحة، وهو عنصر تفوّق يُميزه عن أحزاب المعارضة التي لا يزال بعضها يتخبط في اختيار شخصيات للدفع بها إلى السباق، وتقوم بالطنطنة حول الطوارئ وأنها مناخ غير صالح لإجراء الانتخابات، فيما يبدو أنه مُبرر مسبق لفشلها المتوقع.

ويدخل أردوغان الانتخابات الرئاسية وهو يحظى بدعم شريكه الحركة القومية صاحبة الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، ورغم انشقاق حزب "الخير" عنها، ودفعه بمرشحة رئاسية لمنافسة أردوغان، إلا أن الحركة الأم لا تزال هي المحرك الأبرز لكثير من القوميين.

كما يحظى أردوغان بدعم شخصية أخرى لها ثقلها ووزنها في الحياة السياسية، وهو أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق في حكومة العدالة والتنمية، ورفيق درب أردوغان في حياته السياسية، وذلك بعد أن قطع التكهنات بشأن ترشحه للرئاسة، حيث نفى ذلك، وأكد دعمه للرئيس أردوغان.

وعلى الرغم من امتلاك أردوغان لمقومات الفوز إلا أن خوضه تلك الانتخابات حتمًا لن يكون نزهة في ظل القلق الأمريكي الذي يُترجم غالبا إلى واقع من المؤامرات والتحركات السرية، وفي ظل وجود قُوى وأحزاب ساءها إحباط المخطط الكردي للسيطرة على الشمال السوري، إضافة إلى قوى علمانية معارضة بقوة، رغم أن جميع هذه القوى والأحزاب ليس لها رؤية واضحة لإدارة الدولة حال سقوط أردوغان، لكنها اجتمعت على ضرورة إسقاطه قبل التفكير بمستقبل البلاد.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

احسان الفقيه