Menu

"معاداة الأتراك" مرض مزمن في الإعلام السعودي

تركيا العثمانية / قسم المتابعة/ تسريع وسائل الإعلام السعودية من وتيرة معاداتها لتركيا في الآونة الأخيرة، بات معلوما لدى الكثيرين، حيث زادت لغتها العدائية، واتهاماتها وافتراءاتها تجاه أنقرة.

يأتي هذا خصوصا بعد وقوف تركيا إلى جانب قطر في مواجهة دول الخليج العربي التي فرضت حصارا على الدوحة، بزعامة السعودية والإمارات، فضلا عن موقفها الأخلاقي من قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار تعدي وسائل الإعلام السعودية بأنه وصل لدرجة تجاوزت تحريف الحقائق التاريخية، من خلال وصفها الإمبراطورية العثمانية بـ"دولة داعش الأولى"، وهو ما شكّل القطرة التي أفاضت الكأس.

كما حملت هذه الوسائل لواء استهداف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤخرا، بعد موقفه الأخير من الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزيلندا، في مارس/ آذار الماضي، وراح ضحيته أكثر من 50 مسلما.

وأدت زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى نيوزيلندا عقب الهجوم، إلى موجة انزعاج أخرى لدى وسائل الإعلام السعودية، في الوقت الذي أظهر فيه رؤساء الدول ووسائل الإعلام الغربية ردود فعل بسيطة تجاه المجزرة، ومع الأسف فإن ردود فعل زعماء الدول الإسلامية لم ترقَ إلى المستوى المرجو.

الغريب في الأمر، أن الإعلام السعودي توجه لتلفيق بعض الاحتمالات التي دفعت تركيا للتضامن مع ضحايا المجزرة.

- براعة الانتقال من المجزرة إلى معاداة تركيا

إننا نواجه إعلاما سعوديا بعيدا كل البعد عن المنطق والتفكير، حيث قام مؤخرا بالربط بين مجزرة المسجدين في نيوزيلندا ومعاداة تركيا، فصحيفة عكاظ ركزت جهودها في استنتاج تحليلات سخيفة حول دوافع تضامن تركيا مع الضحايا، بدلا من التركيز على صمت المجتمع الدولي وازدواجية معاييره، ومكافحة موجة معاداة الإسلام الآخذة بالصعود في الغرب.

وفي الوقت الذي كان فيه العالم برمته يعلن الحداد على أرواح ضحايا المجزرة، كتب هاني الظاهري، الكاتب في صحيفة عكاظ، وهو أحد الذين يؤمنون أن لقمة عيشهم من خلال كتابة مقالات ضد تركيا، مقالة بعنوان "ذيل الطربوش الأحمر في مجزرة نيوزيلندا"، في إشارة إلى الدولة العثمانية أو تركيا.

وادعى الظاهري تورط تركيا في مجزرة المسجدين، ما دفعها للتحرك فورا عقب الهجوم، وتوصل إلى استنتاج "خارق" مفاده بأن أردوغان استغل الحادثة ليظهر بمظهر الرئيس المسلم الوحيد الذي يهتم بمشاكل المسلمين.

وفي هذا السياق، أشار الظاهري إلى قاعدة "ابحث عن المستفيد" البسيطة، زاعما أن تركيا خرجت بالفائدة من المجزرة.

ولفت أن منفذ الهجوم الإرهابي أجرى زيارة إلى تركيا سابقا، وأنه قام بالعملية بعد أقل من 48 ساعة على طلب البرلمان الأوروبي تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد.

وزعم أن أنقرة بحاجة ماسة لضرب شعبية اليمين المتطرف في الغرب من خلال عمل يهز العالم، ويجعل الحزب الحاكم في تركيا مظلوما مستهدفا، مبديا استغرابه من تحريض مرتكب الجريمة على قتل أردوغان، وإشادته بترامب في الوقت ذاته، باختصار إنه "هراء مجانين".

وفي نفس الصحيفة، كتب حمود أبو طالب مقالة بعنوان "تركيا على خط حادثة نيوزيلندا.. لماذا؟"، أعرب فيها عن دهشته من موقف تركيا والرئيس أردوغان تجاه قضايا العالم الإسلامي.

وسرد أبو طالب بعض الاحتمالات الطريفة الكامنة وراء زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى نيوزيلندا عقب الهجوم مباشرة، أولها "تعاون تركيا مع القاتل"، ومحاولتها إخفاء هذه العلاقة، والاحتمال الثاني الأكثر طرافة هو انتهاز أردوغان للحادثة كي يعطي تصورا أنه الزعيم المسلم الوحيد الذي يهتم بقضايا المسلمين.

مقالة أخرى في الصحيفة حملت عنوان "السياحة في إسطنبول، والقتل في نيوزيلندا"، للكاتب محمد الساعد، حاول فيها تأليف رواية جريمة من خلال طرح عدة تساؤلات مثل "الأسباب التي دفعت منفذ الهجوم لزيارة تركيا"، و"لماذا لم يزر بلدا إسلاميا آخر ولماذا تركيا بالذات"، و"هل منفذ الهجوم عميل مزدوج".

وقال الساعد "ما الذي جرى في إسطنبول قبيل قيام الإرهابي بجريمته، وكيف قضى أيامه فيها وبمن التقى ومع من نسق، لماذا لا تعلن تركيا عن تسجيلاتها الأمنية للقاتل، أم أن الأمر سرا، وماذا يعني أن يقضي قاتل المصلين ما يقارب 45 يوما في تركيا، ماذا كان يفعل في عاصمة الإخوان المسلمين الجديدة؟".

-معاداة الدولة العثمانية من خلال داعش

السعودية والإمارات منزعجتان من تواجد تركيا في أراضي الدولة العثمانية سابقا، وعلى رأسها الشرق الأوسط وإفريقيا، إذ تسعى أبوظبي على وجه الخصوص لزرع العراقيل أمام أنقرة في كل خطوة تتخذها في المنطقة، وآخر هذه الأمثلة وقع في كل من الصومال، والسودان، وليبيا، ويعد معاداة العثمانية وتركيا السلاح الأهم لديها في الحفاظ على أنصارها، والقوميين العرب.

إن معاداة العثمانية لدى بعض الأطراف في العالم الإسلامي تتعرض للانتكاس في فواصل زمنية محددة، بشكل أصبح مألوفا للجميع، ما يجعلها تفتقد للتفاعل المطلوب، وعلى سبيل المثال، يمكن تصنيف تغريدة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، التي اتهم فيها البطل فخر الدين باشا بسرقة أموال المدينة المنورة، ضمن هذا الإطار.

إن التوجه الجديد في معاداة العثمانية هو قيام وسائل الإعلام السعودية والإماراتية باستضافة أشباه المؤرخين وجعلهم يعملون على تضليل الشارع العربي من خلال استهداف الدولة العثمانية ورموزها بادعاءات باطلة.

يبدو أن الإعلام السعودي والإماراتي ربط تشبيه الدولة العثمانية بتنظيم داعش، بسبب مواقف تركيا من الإخوان المسلمين، وقطر، وقضية مقتل خاشقجي، ففي هذا الإطار، شارك الكاتب الكويتي سلطان الأصقه في حملة التضليل، حيث ادعى في برنامج على قناة روتانا خليجية السعودية، أن الدولة العثمانية ليست دولة خلافة، إنما دولة احتلال، وأنه لم يسبق لسلطان عثماني زيارة بيت الله الحرام للحج أو العمرة، وأن أرطغرل بن سليمان شاه ليس بطلا تاريخيا، إنما مقاتل مأجور.

 

وواصل تحريفه الحقائق عندما زعم أن شروط الخلافة لا تتوافر في الدولة العثمانية، وأنها دولة احتلال وليست فتوحات، وأنها احتقرت العرب عبر التاريخ، وكانت تسمي أهالي نجد التي ينحدر منها آل سعود، بـ"قاذورات الخوارج، والحشرات"، حسبما أفاد.

وعقب هذا البرنامج التلفزيوني، ازدادت وتيرة استهداف الدولة العثمانية في الإعلام السعودي، حيث نشر الكاتب خالد عباس طاشكندي، في صحيفة عكاظ، سلسلة من الافتراءات.

وزعم طاشكندي أن "اسم مؤسس الدولة العثمانية ليس عثمان وأصلها غير معروف، وتاريخ تأسيسها مبهم، وأن عددا من القادة المسيحيين قادوا حملات الجيش العثماني في أوروبا، وأنها تشكلت نتيجة اجتماع مجموعات من الغزاة، وأن سليمان شاه ليس جد عثمان الأول، وأصلهم يعود إلى المغول".

وعاد الكاتب المدعو بـ"هاني الظاهري" إلى الواجهة بمقالة أخرى، بعنوان "دولة داعش الأولى 1299- 1923"، ادعى فيها وجود شبه كبير بين الخلافة العثمانية و"خلافة داعش"، ثم جاء بالحديث على ذكر الإخوان.

في الواقع إن الهم الرئيسي لأشباه الكُتاب، ليس الدولة العثمانية بحد ذاتها، إنما جماعة الإخوان المسلمين، وقطر، وداعمهما أردوغان.

- بنية الإعلام السعودي

معظم وسائل الإعلام يملكها أفراد العائلة الملكية بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي تعتبر بمثابة صوت الإدارة السعودية.

يمكننا القول إن ولي العهد محمد بن سلمان، أحكم قبضته على كافة وسائل الإعلام السعودي، بعد قيامه بحملة اعتقالات للصحفيين ورجال الأعمال بتهمة "الفساد"، حيث قام منذ تعيينه، بتغيير مدراء معظم الوسائل الإعلامية، واتبع سياسات التخويف وكبت الأفواه للأصوات المعارضة.

في المحصلة، إننا وجها لوجه مع إعلام يفتقر لأدنى حدود المبادئ الأخلاقية، ويخدم توجها سياسيا وحيدا، كما لاحظنا في خطابه الهجومي ضد تركيا وقطر وإيران، بأن حملات البروباغندا التي تنفذها قائمة على تشويه الحقائق والأخبار الكاذبة.

إن هذا النوع من الإعلام لا يعاني من أزمة الإقناع والمصداقية فحسب، بل يبدو أن موضوع استمراريته غير ممكن أيضا.

يبدو أن ولي العهد السعودي الذي أطلق جملة من الإصلاحات ضمن إطار خطة رؤية السعودية لعام 2030، بحاجة في المقام الأول إلى إصلاحات جذرية في وسائل الإعلام.

المصدر : الأناضول