Menu

لماذا رفض أردوغان تجريم الدعارة في تركيا حتى الآن؟

تركيا العثمانية

 

يخرج علينا العلمانيون كل فترة بموجة هجوم على حزب العدالة والتنمية في تركيا، بحجة سماح الحكومة التركية بتراخيص بيوت الدعارة بالرغم من خلفيتها الإسلامية المحافظة الظاهرة. حيث يزعموا أن الدعارة تم تقنينها في تركيا بعد وصول أردوغان لسدة الحكم في 2003، في محاولة لإضعاف شعبية أردوغان داخل التيار الإسلامي. غير أن المتتبع لخط سير ملف البغاء في تركيا منذ تسلم أردوغان للسلطة عام 2003 سيفاجأ بأن أردوغان حارب كثيرا في شأن إلغاء دور البغاء في تركيا، ففي عام 2004 قدم أردوغان تعديل على قانون العقوبات لإدخال الزنا كجريمة بعد أن ألغت المحكمة الدستورية عام 1996 تلك الجريمة.

وكان الاتحاد الأوروبي قد طالب أنقره بإدخال إصلاحات على القانون الجنائي التركي لقبول عضويتها، وتتضمن هذه التعديلات إلغاء التعذيب وزيادة الحريات الفردية وتقليص دور الجيش في الحياة السياسية، فحاول حزب العدالة والتنمية إدخال قانون الزنا ضمن حزمة التعديلات، لكنه فوجئ برد فعل غاضب من الاتحاد الأوروبي، حيث قال جونتر فيرهيجين، مفوض الاتحاد الاوروبي المسؤول عن توسيع الاتحاد، إن قانون تجريم الزنا الذي تعتزم تركيا إصداره سيؤثر سلبا على فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي.

وبالرغم عدم معارضة حزب الشعب وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد لذلك القانون، إلا أن أردوغان فضل عدم الاصطدام مع الاتحاد الأوروبي في ظل احتياج الدعم الغربي لتحجيم دور العسكر والقضاء العلماني المكبلين لأيدي الحكومة التركية في تشريع القوانين وتعديل الدستور، الأمر الذي دفع أردوغان لإلغاء التعديل المقترح على قانون العقوبات.

حلم الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي:

يعتقد الكثيرون أن أردوغان تنازل عن طموحاته في إقامة حكومة ذات توجه إسلامي من أجل حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي، إلا أن المدقق لسياساته الأخيرة يكشف عدم اكتراث أردوغان بدخول النادي المسيحي، ولا يعد هذا تناقضا لمواقف أردوغان السابقة، حيث اعتبر أردوغان أن مطالبات الاتحاد الأوروبي لتعديل القوانين التركية المقيدة للحريات وتقييد نفوذ الجيش في الحياه السياسية، فرصة مهمة في سبيل استكمال سيطرته علي الحكم بشكل كامل، وإبعاد أيادي العسكر الجاثمين علي صدور الشعب التركي منذ ثمانين عاما.

تأجيل التجريم وتشديد الخناق:

بعد تمرير القانون بدون تجريم الزنا في أكتوبر 2004، قام الحزب بتشديد الطوق علي دور البغاء ومنعت الباترينات الفاضحة وحشرهم في أزقة ضيقة ووضعت تحت إشراف شرطي دقيق، لكشف هويات من يدخل ويخرج، الأمر الذي أدي إلي تقليل تأثيرا وأعدادها من 65 قبل حكم العدالة والتنمية إلي 56 مع عدم إعطاء تراخيص جديدة، بالإضافة إلي عمليات المداهمات لمحلات المساج والتدليك التي تقوم بممارسة الدعارة في الخفاء.

تهيئة الساحة السياسية للحكم الإسلامي تدريجيا:

أدرك حزب العدالة والتنمية أن القوي العميقة في الدولة لن تسمح بإنشاء نظام إسلامي يقوم بإلغاء البغاء أو منع الخمور حتي لو جاء بأغلبية الشعب، حيث يضمن النظام العلماني في تركيا السيطرة للعلمانيين علي الجيش والقضاء والإعلام، الأمر الذي توجب علي أردوغان تفتيت تلك القوي قبل بدء صراع الهوية، لذلك تأخرت محاولات أردوغان لتجريم الزنا بسبب انشغاله بتطهير مؤسسات الدولة من قبضة العلمانيين، حيث حاول في عام 2007 تعيين أول عبدالله جول كأول رئيس جمهورية إسلامي، إلا أن الجيش أعلن رفضه لذلك الإجراء الأمر الذي اضطره لعمل تعديلات دستورية تسمح للرئيس بالانتخاب المباشر مع تقليل مدة حكمه من 7 سنوات ل4 سنوات فقط.

وبالرغم من رفض المحكمة الدستورية بعض التعديلات علي الدستور، إلا أن أردوغان استكمل في 2010 حزمة تعديلات دستورية تكبح جماح العلمانيون في السلطة القضائية، بعد ان أبطلت المحكمة الدستورية عام 2008 قانونا بإلغاء الحظر المفروض علي الحجاب في الجامعات.

إنشاء دستور إسلامي:

بعد نجاح التعديلات الدستورية في 2010 أعلن أردوغان أن تلك التعديلات تمثل خطوة في تعديلات أخري وربما كتابة دستور جديد، وفعلا بدأ الحزب في الإعداد لكتابة دستور جديد مع بداية عام 2012، إلا أن الدولة العميقة حاولت عمل انقلاب قضائي عليه في عام 2012 عندما حاولت اعتقال مدير المخابرات ثم محاولة تلفيق قضية سياسية لابن أردوغان ومن ثم محاولة إجبار أردوغان علي الاستقالة في 2013.

تزامن ذلك مع موجة من هجوم العلمانيين عليه خصوصا بعد قرار منع بيع الخمور من الساعة العاشرة مساء في المحلات العامة، حيث خرجت مظاهرات جيزي بارك في إسطنبول مدعومة إعلاميا من وسائل الإعلام الغربية، ومتزامنة مع الانقلاب العسكري في مصر ضد الإخوان، مما جعل الظروف غير مواتية لتمرير دستور إسلامي. فتم تأجيل طرح قضية الدستور الإسلامي لانتخابات 2015، حيث طالب أردوغان الشعب بإعطائه 400 مقعد من أصل 550 من أجل تمرير التعديلات المطلوبة دون اللجوء للاستفتاء، الأمر الذي قول بمخطط غربي كبير.

المخطط الغربي:

حيث يعتمد المخطط علي إنشاء حزب كردي جديد يجذب أصوات الناخبين الأكراد عن طريق إثارة النعرات القومية في الشمال السوري ومحاولة الأكراد للانفصال وإقامة دولة لهم، مما يدفع أكراد تركيا لدعم قضيتهم ومطالبتهم بالحكم الذاتي أسوة بما يحدث في إقليم كردستان في العراق والشمال السوري، حيث كانت نسبة كبيرة من أصوات الأكراد تذهب لحزب أردوغان الإسلامي في السابق.

وهو ما حدث في انتخابات 2015 حيث خسر حزب أردوغان للأغلبية ونجح الأكراد باقتطاع جزء أصوات الناخبين الأكراد، الأمر الذي أفشل تشكيل حكومة واضطروا لانتخابات مبكرة. واضطر أردوغان للتحالف مع حزب الحركة القومية المعارض لطموحات الأكراد، وأدي ذلك لاجتذاب عدد من الناخبين القوميين الذين صوتوا لأردوغان في مواجهة المد الكردي ونجح في الفوز في الانتخابات بفارق ضئيل.

حزب الحركة القومية يعارض إلغاء علمانية الدولة:

عرض أردوغان علي حزب الحركة القومية كتابة دستور جديد لأن حزب أردوغان لا يمتلك تأييد شعبي يمكنه من تمرير الدستور منفردا، لكن الحزب القومي أبدي معارضته لتغيير أول 4 مواد من الدستور التي تؤكد علي علمانية تركيا، لكن في المقابل وافق علي تحويل نظام الحكم إلي نظام رئاسي، لمنع تكرر أزمة تشكيل الحكومة عام 2015 مرة أخري، وتم تعديل الدستور في استفتاء مارس 2017.

المحاولة الثانية لتجريم البغاء في تركيا:

في فبراير 2018 إتخذت الحكومة التركية الخطوات الأولى نحو تجريم الدعارة في البلاد، وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن للصحفيين في العاصمة التركية أنقرة إن رئيسنا أصدر أوامره باتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الصدد، مضيفا أن وزارة العدل ستعلن في وقت لاحق المزيد من التفاصيل حول كيفية تغيير قوانين البلاد.

حيث وصف أردوغان تراجع حزبه عام 2004 عن بحث تجريم الزنا بعد التحذيرات الأوروبية بأنه خطأ، وقال إنها قضية قديمة للغاية وواسعة النطاق ينبغي مناقشتها وكانت بالفعل ضمن اقتراحاتنا القانونية عام 2004. واتخذنا في ذلك الوقت خطوة بما يتوافق مع مطالب الاتحاد الأوروبي لكننا أخطأنا، حيث أعلن أردوغان من قبل في رغبته في إنشاء جيل قائم على الأخلاق.

كلمة أخيرة:

يتضح مما سبق أن تأجيل معركة قانون منع الدعارة كان لأسباب سياسية، كما أن سياسات حزب العدالة والتنمية قد ساهمت في تغيير ثقافة المجتمع التركي العلمانية لثقافة إسلامية تدريجيا، حيث سمح لملايين النساء بارتداء الحجاب وتم نشر المدارس الدينية في جميع أنحاء تركيا وتم تخصيص ربع ميزانية التعليم البالغة 48 مليار دولار لمدارس الأئمة والخطباء، بالإضافة لإنشاء المئات من المساجد في جميع أنحاء تركيا، الأمر الذي أعاد إحياء الثقافة الإسلامية مرة أخري، لدرجة أن المرشح العلماني في انتخابات الرئاسة 2018 محرم إنجه، اضطر للتصريح بأنه مداوم علي صلاة الجمعة يوميا، لكسب ود التيار المحافظ المتنامي بقوة في البلاد.

ولا يجب أن ننسي نجاح سياسة أردوغان في كسر الثلاثي العلماني، الجيش والقضاء والإعلام، الذي مهد الطريق لبداية أسلمة الدولة تدريجيا، خصوصا مع التعديلات الدستورية الأخيرة في عام 2017 والتي تعطي لأردوغان والبرلمان صلاحية تعيين غالبية أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، كما تم تحجيم اختصاصات المحكمة الدستورية العليا واقتصار دورها علي مراجعة صحة الإجراءات التشريعية، الأمر الذي سيمكن أردوغان وحزبه من إصدار تشريعات قانونية لها صبغة إسلامية دون اعتراض المحكمة الدستورية كما حدث في 2008، حيث منعت المحكمة الدستورية حينها إلغاء الحظر المفروض علي الحجاب. ربما تحمل الأيام القادمة بعض رياح التعديلات القانونية التي كان يطمح بها حزب أردوغان في بداية فترة حكمهم، لكن هل سيصمت معارضي أردوغان عندما يتم منع دور البغاء أم سيتهمونه بتقييد الحريات الشخصية؟ هذا ما سوف نعرفه في الشهور القليلة القادمة بإذن الله.

.

معتز علي