Menu

الحلقة الثانية : السلطان محمد الفاتح وشيء من أعماله الحضارية

تركيا العثمانية / كتب د. علي محمد الصلابي 

لم يكن عهد السلطان محمد الفاتح عهد تقدم على الصعيد العسكري فقط، بل كان عهد نهضة حضارية شاملة، وفيما يلي شيء من مظاهر النهضة الحضارية التي كانت في عهده:

الاهتمام بالتِّجارة والصِّناعة:

اهتمَّ السُّلطان محمَّد الفاتح بالتِّجارة، والصِّناعة، وعمل على إِنعاشهما بجميع الوسائل، والعوامل، والأسباب، وكان بذلك مقتفياً خطَّ آبائه، وأجداده السَّلاطين؛ الَّذين (كانوا دائماً على استعدادٍ لإِنعاش الصِّناعة، والتِّجارة بين رعاياهم، وأنَّ كثيراً من المدن الكبرى قد ازدهرت ازدهاراً كبيراً عندما خلَّصها الفتح العثمانيُّ ممَّا أصابها في عهد الدَّولة البيزنطيَّة من طغيان الثَّروة الحكوميَّة الَّتي عرقلت نهضتها، وشلَّت حركتها، ومن هذه المدن: نيقية، وكان العثمانيُّون على درايةٍ واسعةٍ بالأسواق العالميَّة، وبالطُّرق البحريَّة، والبرِّيَّة، وطوَّروا الطُّرق القديمة، وأنشؤوا الكباري الجديدة؛ ممَّا سهل حركة التِّجارة في جميع أجزاء الدَّولة، واضطرت الدُّول الأجنبيَّة من فتح موانيها لرعايا الدَّولة العثمانيَّة؛ ليمارسوا حرفة التِّجارة في ظلِّ الرَّاية العثمانيَّة.

وكان من أثر السِّياسة العامَّة للدَّولة في مجال التِّجارة، والصِّناعة أن عمَّ الرَّخاء، وساد اليسر، والرَّفاهية في جميع أرجاء الدَّولة، وأصبحت للدَّولة عملتها الذَّهبيَّة المتميزة، ولم تهمل الدَّولة إِنشاء دور الصِّناعة، ومصانع الذَّخيرة، والأسلحة، وأقامت القلاع، والحصون في المواقع ذات الأهمِّيَّة العسكريَّة في البلاد).

الاهتمام بالتَّنظيمات الإِداريَّة:

عمل السُّلطان محمَّد الفاتح على تطوير دولته، ولذلك قنَّن القوانين حتَّى يستطيع أن ينظم شؤون الإِدارة المحلِّيَّة في دولته، وكانت تلك القوانين مستمدَّةً من الشَّرع الحكيم، وشكَّل السُّلطان محمَّد لجنةً من خيار العلماء لتشرف على وضع (قانون نامه) المستمدِّ من الشَّريعة الغرَّاء، وجعله أساساً لحكم دولته، وكان هذا القانون مكوَّناً من ثلاثة أبواب، يتعلَّق بمناصب الموظفين، وببعض التَّقاليد، وما يجب أن يُتَّخذ من التَّشريفات، والاحتفالات السُّلطانية، وهو يقرِّر كذلك العقوبات، والغرامات، ونصَّ صراحةً على جعل الدَّولة حكومةً إِسلاميَّةً قائمةً على تفوق العنصر الإِسلامي أيَّاً كان أصله، وجنسه.

واهتمَّ محمَّد الفاتح بوضع القوانين الَّتي تنظِّم علاقة السُّكان من غير المسلمين بالدَّولة ومع جيرانهم من المسلمين، ومع الدَّولة الَّتي تحكمهم، وترعاهم، وأشاع العدل بين رعيَّته، وجدَّ في ملاحقة اللُّصوص، وقطَّاع الطُّرق، وأجرى عليهم أحكام الإِسلام، فاستتبَّ الأمن، وسادت الطُّمأنينة في ربوع الدولة العثمانية .

وأبقى السُّلطان محمَّد النِّظام الَّذي كان سائداً لحكم الولايات أيام أسلافه، وأدخل عليه بعض التَّعديلات الطَّفيفة الَّتي تناسب عصره، ودولته.

وكانت الدَّولة تنقسم إِلى ولاياتٍ كبرى، يحكمها أمير الأمراء، وكان يسمَّى «بكلر بك» وإِلى ولاياتٍ صغرى، ويحكمها أمير اللِّواء، وكان يسمَّى «سنجق بك» وكلا الحاكمين كان يقوم بأعمالٍ مدنيَّةٍ، وعسكريَّةٍ في آنٍ واحدٍ، وترك لبعض الإِمارات الصِّقلبية في أوَّل الأمر بعض مظاهر الاستقلال الدَّاخلي، فكان يحكمها بعض أمراء منها، ولكنَّهم تابعون للدَّولة ينفذون أوامر السُّلطان بكلِّ دقَّةٍ، وهو يعزلهم، ويعاقبهم إِذا خالفوا أوامره، أو فكَّروا في الثَّورة على الحكومة العثمانيَّة.

وعندما تعلن الدَّولة الجهاد، وتدعو أمراء الولايات، وأمراء الألوية، كان عليهم أن يلبُّوا الدَّعوة، ويشتركوا في الحرب بفرسانٍ يجهِّزونهم تجهيزاً تامَّاً، وذلك حسب نسبٍ مبيَّنةٍ، فكانوا يجهِّزون فارساً كامل السِّلاح قادراً على القتال عن كلِّ خمسة آلاف آقجة من إِيراد إقطاعه، فإِذا كان إِيراد إقطاعه خمسمئة ألف آقجة مثلاً كان عليه أن يشترك بمئة فارسٍ. وكان جنود الإِيالات مؤلفةً من مشاةٍ، وفرسان، وكان المشاة تحت قيادة وإِدارة باشوات الإِيالات، وبكوات الألوية.

وقام محمَّد الفاتح بحركة تطهيرٍ واسعةٍ لكلِّ الموظَّفين القدماء غير الأكفاء، وجعل مكانهم الأكفاء، واتخذ الكفاية وحدها أساساً في اختيار رجاله، ومعاونيه، وولاته. واهتمَّ بالنِّظام المالي، ووضع القواعد المحكمة الصَّارمة في جباية أموال الدَّولة، وقضى على إِهمال الجباة، وتلاعبهم؛ ممَّا كان يضيِّع على الدَّولة ثرواتٍ هائلةً.

لقد أظهر السُّلطان محمَّد في النَّاحية الإِداريَّة كفايةً، ومقدرةً لا تقلان عن كفايته، ومقدرته في النَّاحيتين السِّياسيَّة، والحربيَّة.

اهتمامه بالجيش، والبحريَّة:

لقد أنشئ الجيش النِّظامي من زمن السُّلطان «أورخان» واهتمَّ مَنْ جاء بعده من السَّلاطين بتطوير الجيش، وخصوصاً السُّلطان محمَّد الَّذي أولى الجيش رعايةً خاصَّةً، فالجيش في نظره من أسس الدَّولة، وأركانها المهمَّة، فأعاد تنظيمه، وتربيته، وجعل لكلِّ فرقةٍ (آغا) يقودها، وجعل لقيادة الإِنكشاريَّة حقَّ التقدُّم على بقية القوَّاد، فهو يتلقى أوامره من الصَّدر الأعظم الَّذي جعل له السُّلطان القيادة العليا للجيش.

وقد تميَّز عصر السُّلطان محمَّد الفاتح بجانب قوَّة الجيش البشريَّة، وتفوُّقه العدديِّ، بإِنشاءات عسكريَّةٍ عديدةٍ، ومتنوِّعةٍ، فأقام دور الصِّناعة العسكريَّة لسدِّ احتياجات الجيش من الملابس، والسُّروج، والدُّروع، ومصانع الذَّخيرة، والأسلحة، وأقام القلاع، والحصون في المواقع ذات الأهمِّيَّة العسكريَّة، وكانت هناك تشكيلاتٌ عسكريَّةٌ متنوِّعةٌ في تمام الدِّقَّة، وحسن التَّنظيم من فرسان، ومشاةٍ، ومدفعيَّةٍ، وفرقٍ مساعدةٍ تمدُّ القوَّات المحاربة بما تحتاجه من وقودٍ، وغذاءٍ، وعلفٍ للحيوان، وإِعداد صناديق الذَّخيرة، وحتَّى ميدان القتال.

وكان هناك صنفٌ من الجنود يسمَّى «لغمجية» وظيفته الحفر للألغام، وحفر الأنفاق تحت الأرض أثناء محاصرة القلعة المراد فتحها، وكذلك السَّقاؤون كان عليهم تزويد الجنود بالماء، ولقد تطوَّرت الجامعة العسكريَّة في زمن الفاتح، وأصبحت تخرِّج الدَّفعات المتتالية من المهندسين، والأطبَّاء، والبيطريِّين، وعلماء الطَّبيعيات، والمساحات، وكانت تمدُّ الجيش بالفنِّيِّين المتخصِّصين، وقد أكسب هؤلاء العثمانيِّين شهرةً عريضةً في الدِّقَّة، والنِّظام.

لقد حرص السُّلطان محمَّد على تطوير الجيش البرِّيِّ، والقوَّة البحريَّة، وظهرت أهميَّتها منذ فتح القسطنطينيَّة، حيث كان للأسطول البحريِّ العثمانيِّ دورٌ واضحٌ في إِحكام حصارها، وتطويقها من البحر، والبرِّ جميعاً. وبعد فتح القسطنطينيَّة ضوعفت العناية بالسِّلاح البحريِّ، فلم تمض إِلا مدَّةٌ من الزَّمن حتَّى سيطر الأسطول العثمانيُّ على البحرين الأسود والأبيض، وعندما نطالع كتاب: «حقائق الأخبار عن دول البحار» لمؤلِّفه إِسماعيل سرهنك، نلاحظ اهتمام السُّلطان محمَّد الفاتح بالبحريَّة العثمانيَّة، وأنَّه كان اهتماماً بالغاً استحقَّ معه أن يعدَّه المؤرخون مؤسس الأسطول البحريِّ العثمانيِّ، ولقد استفاد من الدُّول الَّتي وصلت إِلى مستوىً رفيعٍ في صناعة الأساطيل، مثل الجمهوريات الإِيطاليَّة، وبخاصَّةٍ البندقيَّة، وجنوا أكبر الدُّول البحريَّة في ذلك الوقت، وعندما وجد في سيئوب سفينةً ضخمةً نادرة المثال؛ أمر السلطان محمَّد بأخذها، وبناء سفنٍ على نمطها مع إِدخال التَّحسينات عليها.

وكان الأسطول العثمانيُّ تشرف التَّرسانة على إِدارته، وكانت أحد الفروع الخاصَّة، وتسمَّى بطافة العزب، ويبلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف جنديٍّ بحريٍّ تتألف من: القبطان، وقوَّاد السُّفن، والضُّباط، والبحَّارة.

اهتمامه بالعدل:

إِنَّ إقامة العدل بين النَّاس كان من واجبات السَّلاطين العثمانيِّين، وكان السُّلطان محمَّدـ شأنه في ذلك شأن مَنْ سلف من آبائه شديد الحرص على إِجراء العدالة في أجزاء دولته، ولكي يتأكَّد من هذا الأمر كان يرسل بين الحين والحين إِلى بعض رجال الدِّين من النَّصارى بالتَّجوال والتَّطواف في أنحاء الدَّولة، ويمنحهم مرسوماً مكتوباً يبيِّن مهمَّتهم، وسلطتهم المطلقة في التَّنقيب، والتَّحرِّي، والاستقصاء؛ لكي يطَّلعوا كيف تساس أمور الدَّولة، وكيف يجري ميزان العدل بين النَّاس في المحاكم، وقد أعطى هؤلاء المبعوثين الحرِّيَّة الكاملة في النَّقد، وتسجيل ما يرون، ثمَّ يرفعون ذلك كلَّه إِلى السُّلطان.

وقد كانت تقارير هؤلاء المبعوثين النَّصارى تشيد بحسن سير المحاكم، وإِجراء العدل بالحقِّ، والدِّقَّة بين النَّاس بدون محاباةٍ، أو تمييزٍ، وكان السُّلطان الفاتح عند خروجه إِلى الغزوات يتوقَّف في بعض الأقاليم، وينصب خيامه ليجلس بنفسه للمظالم، ويرفع إِليه مَنْ شاء مِن النَّاس شكواه، ومظلمته.

وكان على إِدراكٍ تامٍّ بأنَّ رجال الفقه، والشَّريعة هم أعرف النَّاس بالعدالة، وأبصرهم بمواقعها، وأشدُّ النَّاس حرصاً على إِنقاذها. وكان يرى: أنَّ العلماء في الدَّولة بمنزلة القلب في البدن، إِذا صلحوا؛ صلحت الدَّولة، ولذلك اعتنى الفاتح بالعلم، وأهله، ويسَّر سبل العلم على طالبيه، وكفاهم مؤونة التَّعيُّش، والتَّكسُّب ليتفرَّغوا للدَّرس، والتَّحصيل، وأكرم العلماء، ورفع منزلتهم. وقد اعتنى الفاتح بوجهٍ خاصٍّ برجال القضاء الَّذين يتولَّون الحكم، والفصل في أمور النَّاس، فلا يكفي في هؤلاء أن يكونوا من المتضلِّعين في الفقه، والشَّريعة، والاتِّصاف بالنَّزاهة، والاستقامة وحسب، بل لابدَّ إِلى جانب ذلك أن يكونوا موضع محبَّةٍ، وتقديرٍ بين الناس، وأن تتكفَّل الدَّولة بحوائجهم المادِّيَّة؛ حتَّى تسدَّ طرق الإِغراء، والرَّشوة، فوسَّع لهم الفاتح في عيشهم كلَّ التَّوسعة، وأحاط منصبهم بهالة، وهيبةٍ من الحرمة، والجلالة، والقداسة، والحماية.

وتُحدِّثنا كتب التَّاريخ: أنَّ أحد غلمان محمَّد الفاتح ظهر منه بعض الفساد بأدرنة، فأرسل إِليه القاضي بعض الخدم لمنعه، فلم يمتنع، فركب إِليه القاضي بنفسه، فاعتدى عليه الغلام، وضربه ضرباً شديداً، فما أن سمع السُّلطان الفاتح بذلك؛ حتَّى أخذه الغضب، واستطار به، وأمر بقتل ذلك الغلام لتحقيره نائب الشَّريعة. وتشفَّع الوزراء للغلام لدى السُّلطان الفاتح، فلم يقبل شفاعتهم، فالتمسوا من المولى محيي الدِّين محمَّد أن يصلح هذا الأمر لدى السُّلطان، ولكنَّ الفاتح أعرض عنه، وردَّ كلامه، فقال له المولى محيي الدِّين: إنَّ النَّائب (أي: القاضي) بقيامه عن مجلس القضاء بسبب الغضب سقط عن رتبة القضاء، فلم يكن هو عند الضَّرب قاضياً، فلم يلزم تحقير الشَّرع؛ حتَّى يحلَّ قتله «قتل الغلام» فسكت السُّلطان محمَّد خان.

ثمَّ جاء الغلام إِلى قسطنطينيَّة فأتى به الوزراء إِلى السُّلطان محمَّد خان لتقبيل يده شكراً للعفو عنه. فأحضر السُّلطان محمَّد خان عصاً كبيرةً، فضربه بنفسه ضرباً شديداً حتَّى مرض الغلام أربعة أشهر، فعالجوه، فبرئ، ثمَّ صار الغلام وزيراً للسُّلطان بايزيد خان، واسمه داود باشا. وكان يدعو للسُّلطان محمَّد خان، ويقول: إِنَّ رشدي هذا ما حصل إِلا مِنْ ضربه. أمَّا القاضي المرتشي، فلم يكن له عند الفاتح من جزاءٍ غير القتل.

وكان السُّلطان الفاتح ـ برغم اشتغاله بالجهاد، والفتوحات إِلا أنَّه يتتبَّع كلَّ ما يجري في أرجاء دولته بيقظةٍ، واهتمامٍ، وأعانه على ذلك ما حباه الله من ذكاءٍ قويٍّ، وبصيرةٍ نفَّاذةٍ، وذاكرةٍ حافظةٍ، وجسمٍ قويٍّ، وكان كثيراً ما ينزل باللَّيل إِلى الطُّرقات، والدُّروب؛ ليتعرَّف على أحوال النَّاس بنفسه، ويستمع إِلى شكاواهم بنفسه. كما ساعده على معرفة أحوال النَّاس جهاز أمن الدَّولة الَّذي كان يجمع المعلومات، والأخبار الَّتي لها علاقة بالسَّلطنة، وترفع إِلى السُّلطان الَّذي كان يحرص على دوام المباشرة لأحوال الرَّعيَّة، وتفقُّد أمورها، والتماس الإِحاطة بجوانب الخلل في أفرادها، وجماعتها. وقد استنبط السُّلطان الفاتح هذه المعاني من حال سليمان عليه السَّلام في قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل: 20] وذلك بحسب ما تقتضيه أمور الملك، والاهتمام بكلِّ جزءٍ فيه، والرِّعاية بكلِّ واحدةٍ فيه، وخاصَّةً الضُّعفاء.

المصدر : ترك برس


المراجع:

- د. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص. ص (111-118).

2- د. سالم الرَّشيدي، محمَّد الفاتح، الإِرشاد، جدَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1989م/1410هـ، ص.ص (384- 389)، (393- 396).

3- العثمانيُّون في التَّاريخ والحضارة، د. محمَّد حرب، دار القلم، دمشق، الطَّبعة الأولى 1409هـ/1989م، ص (247).