Menu

هل كانت والدة السلطان محمد الفاتح غير مسلمة؟

تركيا العثمانية / قسم المتابعة / ادعى البعض زورا أن والدة السلطان محمد الفاتح كان مسيحية ليبنوا عليها فرية أخرى بأنه مال إلى النصرانية بسبب والدته التي تعتنق هذه الملة.

مع افتراض ثبوت هذه الدعوى فإن الدولة العثمانية ذات صبغة إسلامية تطبق النظام الإسلامي الذي يبيح زواج المسلم من اليهوديات والمسيحيات، فلو تزوج أحدهم من أهل الكتاب فلا يعد منقصة له أو قدحا في سيرته.

الحق الذي دلت عليه الوثائق التاريخية أن والدة السلطان الفاتح كانت مسلمة، وأن البعض قد خلط بينها وبين "مارا" المسيحية ابنة ملك الصرب التي تزوجها والد السلطان محمد

ربما يمثل العنوان في حد ذاته بصيغته الاستفهامية عامل دهشة لدى العديد من القراء، وربما تساءلوا: هل من الممكن بالفعل أن تكون والدة هذا السلطان العثماني العظيم فاتح القسطنطينية على غير ملة الإسلام؟ هل من الجائز أن يكون هذا الرجل الذي حقق حلم المسلمين بفتح تلك المدينة العظيمة قد خرج من رحم أم ليست على دينه؟.

أقول ابتداءً إنه على افتراض صحة القول بأن والدة السلطان محمد الفاتح كانت مسيحية، فليس هناك غضاضة في قبول هذا الأمر، فالإسلام قد أباح الزواج من نساء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعليه قد تزوج بعض الصحابة من كتابيات، والدولة العثمانية كانت دولة ذات صبغة إسلامية تطبق القانون الإسلامي، وتتعامل بسماحة مع غير المسلمين، فلا حرج في أن يتزوج سلاطينهم من يهوديات أو نصرانيات، وإذا ثبت ذلك فلا تعد منقصة لذلك الحاكم أو السلطان، ولا يقدح في سيرته على الإطلاق.

لكننا نتعرض لهذه القضية باعتبارها جملة تاريخية ينبغي التحقق منها إثباتا أو نفيا، هذا أولا، وثانيا: وجب التعرض لها لأنها تخدم تهمة أخرى موجهة إلى السلطان الفاتح، وهو أنه مال إلى المسيحية بسبب أن والدته كانت على تلك الديانة وزرعت في قلبه محبتها، ومن ثم وجب التحقق من هذه التهمة التي يستندون عليها.

من المقطوع به أن والدة السلطان محمد الفاتح، هي "هما خاتون"، وهي سيدة مسلمة، وقد أثبت المؤرخ أحمد آق كوندز، في ضوء الوثائق أن ضريحها موجود في الجهة الشرقية من جامع "مرادية" تحت اسم "ضريح خاتونية"، والمكان الذي يوجد فيه هذا الضريح لا يزال يسمى بـ "محلة هما خاتون"، واسم والدها هو "عبد الله"، كما تؤكد الوقفية التي كتبها قضاة عسكر الفاتح وتحمل طغرة السلطان، الموجودة في أرشيف متحف "طوب قابي"، وكذلك السجلات الشرعية في مدينة بورصة.

بعض المؤرخين الغربيين أمثال "بجوي"، ذهبوا إلى أن والدة السلطان محمد الفاتح ابنة أحد الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام، وعلى القول بما ذهبوا إليه، فإنه يؤكد ما قلناه أن والدة السلطان محمد الفاتح كانت مسلمة.

هذا الادعاء سببه الخلط - بقصد أو بدون قصد - بين والدة السلطان محمد الفاتح وبين زوجة أبيه "مارا"، وهي ابنة ملك الصرب جورج بروكوفيج، تزوجها السلطان مراد الثاني والد محمد، وظلت على المسيحية الأرثوذكسية حتى وفاتها، وكانت عاقرا لا تنجب.

وبعد وفاة السلطان مراد الثاني، رجعت مارا إلى مسقط رأسها "الصرب"، لكنها عادت مرة أخرى إلى إسطنبول عام 1457م، وكان السلطان محمد الفاتح يحسن إليها ويكرمها، ويقوم بتمليكها بعض الأملاك، وكان يستخدم في وثائق التمليك كلمة "والدتي" إكرامًا لها ولزوجها السلطان مراد الثاني، وهو أمر نابع من الذوق الرفيع والأخلاقيات السامية، وحتى السلطان عبد الحميد الثاني كان يخاطب زوجة والده بقوله: "يا أمي".

فيبدو أن أصحاب النوايا الطيبة قد وقع عندهم الخلط بسبب هذا، بينما تلقفها أصحاب النوايا السيئة ليروجوا على أساسها القول بأن والدة السلطان محمد الفاتح كانت مسيحية، حتى يؤكدوا فرية أخرى تقول إنه مال إلى النصرانية بسببها.

وقد توفيت "مارا" زوجة والد السلطان محمد الفاتح عام 1487م، أي في عهد السلطان بايزيد الثاني، ودفنت بمدينة سلانيك، في موقع خصصه لها السلطان محمد بن مراد الثاني (الفاتح).

ومن هنا ندرك أن والدة السلطان محمد كانت مسلمة اسمها "هما خاتون"، وأن زوجة والده المسماة "مارا" كانت مسيحية ابن ملك الصرب، وتزوجها السلطان مراد والد محمد، ومن ثم خلط الكثيرون بين الاثنتين عن عمد أو بغير عمد.