Menu

الطباعة في العهد العثماني.. بين الافتراءات والحقيقة

تركيا العثمانية

 

الطباعة في ذاكرة التاريخ

تعود جذور الطباعة إلى آﻻف السنين. وكان الصينيون أول من عرف الطباعة باستخدام قوالب الخشب، ينقشون على سطوحها الكلمات والرسوم مقلوبة ثم يختمون بها.

الطباعة في أوروبا

في القرن الخامس عشر بدأت الطباعة الحديثة في أوروبا باستخدام الحروف المفردة على يد اﻷلماني "لوهانس غوتنبرغ" في مدينة "ماينتس" بألمانيا،تبعتها مجموعة من المطابع في المدن اﻷوروبية مثل "روما" عام 1467، و"باريس" عام 1470، وفي غيرها من المدن اﻷوروبية.

المطبعة في التاريخ العثماني

عندما يتناول الباحثون قضية المطبعة في اﻷراضي العثمانية فإنهم يذكرون أن السلطة العثمانية رفضت وجود المطابع على أراضيها، ومن افتراءات بعضهم أن السلطان "بيازيد الثاني" أصدر فرمانا يحظر إنشاء المطابع في أراضي الدولة العثمانية. و أن إبنه السلطان "سليم اﻷول" أصدر فرمانا يقضي بإعدام من يمارس الطباعة على أراضي الدولة، كما منع إنتاج أي كتاب يطبع بالحرف العربي. ورفض فكرة الطباعة جاء من فتوى "شيخ اﻹسلام" كما يدعي هؤلاء.

حقائق تاريخية عن المطبعة في العهد العثماني

ﻻ توجد على هذه الادعاءات أي دليل أو وثيقة تدل عليها على عكس الحقائق التاريخية. وفي ما يلي نسرد عددًا من الحقائق التاريخية في هذا الصدد:

1) في عام 1493 أسست أول مطبعة في قلب الدولة العثمانية "إسطنبول" بواسطة اﻷخوين اليهوديين "صامويل وديفيد بن نحمياس" لخدمة المجتمع اليهودي بالمدينة، وهو القرن نفسه الذي ظهرت فيه المطبعة في أوروبا، والفترة التي شهدت حكم السلطان "بايزيد الثاني".

تتابع تأسيس مطابع يهودية أخرى بالمدينة في اﻷعوام 1505، و1510، و1511، ودلّ على ذلك وجود 19 كتابا عبريا إلى اﻵن في "إسطنبول" مطبوع عليها "طُبِعَ في عهد السلطان بيازيد"، مما ينفي ادّعاء صدور فرمان من السلطان بمنع المطابع في الدولة.

2) أسست مطابع يهودية جديدة في "إسطنبول" في عهد ابن السلطان بيازيد، السلطان "سليم الأول" في اﻷعوام 1513، و1515، و1516، و1518، و1519، و1520، بقي منها إلى اﻵن 33 كتابًا مطبوعًا، كدليل على نقض ادعاءاتهم.

كما أسس اليهود مطابع في مدن أخرى مثل "سالونيك" عام 1512، و"حلب" عام 1515، و"القاهرة" عام 1557، و"صفد" عام 1577.    

3) أصدر السلطان "مراد الثالث" عام 1588 فرمانا لتجار إيطاليين يأذن لهم ببيع كتب عربية وعثمانية وفارسية طبعت في إيطاليا، وذلك بعد تعرضهم للضرب في اﻷسواق أثناء ترويجهم لكتبهم، ومنها كتاب "تحرير اﻷصول ﻹقليدس" بترجمته العربية.

و ذلك ينفي ادعاء رفض السلطة العثمانية وجود كتب مطبوعة بالحرف العربي على أراضيها.

4) في عام 1567 أسست أول مطبعة للأرمن في "إسطنبول"، ومطبعة لليونانيين عام 1627، كما شهد القرن السابع عشر تأسيس أول مطبعة للمسيحيين في بلد عربي و هي مطبعة "دير قوزحية" في "لبنان" عام 1610، ولكنها اقفلت سريعا.

أسست أول مطبعة بالعربية في "حلب" عام 1706 بالتعاون بين البطريرك "أثاناسيوس الثالث الدباس" والمؤلف المترجم "عبد الله زاخر"، واستمر عمل المطبعة عقدًا ونصف، وتوقفت إثر خلاف بين الشريكين، ثم أسس "زاخر" مطبعة عربية "دير شوبير" في "لبنان" عام 1734.

"إبراهيم متفرقة".. من هو؟

دبلوماسي، ومؤلف، ومترجم، ورجل دولة عثماني من اصل مجري، كانت ديانته المسيحية ثم هداه الله للإسلام فغادر بلاده ولجأ إلى الدولة العثمانية.

كان ملما باللغات الفرنسية،والمجرية، والتركية. عيّنته الدولة مستشارا ومبعوثا خاصا للسلطان للشؤون الخارجية، حيث أجرى عدة مفاوضات مع عدة دول.

ترجم "متفرقة" عدة كتب، كما ألف عدة كتب مثل "الرسالة اﻹسلامية" التي كتبها عام 1710 موضحا فيها سبب إسلامه وأن اﻹسلام خاتم الرسالات، وأن الكتب السماوية بشرت بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، منتقدا الباباوية والكاثوليكية.

وأوضح في رسالة "وسيلة الطباعة" أهمية المطبعة في حياة الشعوب، وأن الكتاب المطبوع أرخص من بكثير من المخطوط، مما يجعله في متناول يد طلبة العلم.

والرسالة الثالثة "أصول الحكم في نظام الأمم" وضعت بناء على طلب السلطان "محمود اﻷول" 1730-1745 لتشخيص العلل والمشاكل التي تواجه الدولة وكيفية التغلب عليها.

ما الذي أخر تأسيس اول مطبعة عثمانية رسمية؟

تتعدد اﻹجابة عن هذا التساؤل لعدة عوامل اجتماعية، وثقافية، ودينية، نشأت من المجتمعات المختلفة التي تحكمها الدولة العثمانية. فقد كان تدوين العلم بخط اليد أشرف من طبع الحروف.

كما أن انتشار الخطاطين والناسخين بأعداد ضخمة في أنحاء الدولة و حيازتهم مكانة خاصة في المجتمع كان عاملًا مهمًا. فقد ذكر الكونت اﻹيطالي "لويجو فرديناندو مارسيلي" أنه أثناء زيارته في أواخر القرن السابع عشر لمدينة "إسطنبول" كان فيها 80،000 ناسخ وخطاط،رغم أن عدد سكانها كان يتراوح بين 500،000 و600،000، بمعدل 16 بالمئة من سكان المدينة يمتهنون هذه المهنة، وإنشاء المطبعة سيحرمهم أرزاقهم،فرفض هؤﻻء اعتماد المطبعة لنشر العلوم و المعرفة لأنها ستوقع عليهم ضررًا فادحًا.

وكان يرى بعض المشايخ أن الطباعة قد تحرف كتب العلوم الشرعية وتنشر الكتب الضارة.

كما أن المجتمع لم يتقبل فكرة الكتاب المطبوع بدﻻ من المخطوط. وشهادة المستشرق الفرنسي "أنطوان كاﻻند" الذي سافر إلى "إسطنبول" بين العامين 1672 - 1673 توضح لنا نظرة المجتمع للكتب المطبوعة. قال فيها إنه كان يمر في اﻷسواق فيجد مثلا كتاب "القانون في الطب" لـ"ابن سينا" بنسخة مطبوعة هو و كتب أخرى يعلوها التراب على الأرفف وﻻ يشتريها أحد، و يجد الكتاب نفسه بنسخة مخطوطة تباع بكل سهولة وتنفد سريعا، على الرغم من أن المخطوط أغلى ثمنا من المطبوع.

فكان الناس ينظرون إلى الكتاب المطبوع على أنه منتج ضعيف القيمة.

كتب مخطوطة رخيصة الثمن

انتشرت في القرنين السابع عشر و الثامن عشر كتب مخطوطة بجودة أقل وثمن أقل من المعتاد في محاولة لمنافسة رخص الكتب المطبوعة، تكتب بشكل أسرع وتوزع بشكل تجاري كبير في مدن رئيسية مثل "القاهرة"، و"إسطنبول"، و"دمشق"، أنتج منها أعدادا ضخمة لمنافسة المطبوع رخيص الثمن.

إن رفض فكرة تأسيس المطبعة اتى في اﻷساس من قاعدة المجتمع وليس من السلطة، وتطلّب نشر ثقافة الكتب قبول المجتمع المسلم قبل أن تقبله السلطة.

تأسيس أول مطبعة عثمانية رسمية

كرّس "متفرقة" جهودًا كبيرةً للترويج لفائدة المطبعة، واختار العناوين التي ستطبع بالمطبعة من عام 1729 إلى 1742، ونتج عنها 17 عنوانًا مختلفًا في المعاجم والسياسة والتاريخ والجغرافيا، وبعدد 500 إلى 1000 نسخة لكل عنوان. (طُبِعت بعد تأسيس المطبعة).

واستمر لسنوات في تجريب عملية الطباعة بشكل شخصي قبل أن تتبنى الدولة الاختراع بشكل رسمي بإصرار وحث منه.

استقدم "متفرقة" آﻻت الطباعة من أوروبا، وجرّب الطباعة في منزله بمنطقة "الفاتح"في "إسطنبول" قبل أن يحصل على إذن رسمي.

فرمان السلطان "أحمد الثالث"

أصدر السلطان "أحمد الثالث" فرمانا عام 1727 بتأسيس مطبعة لكونها تؤدي إلى نشر المعارف والعلوم بين أفراد اﻷمة اﻹسلامية.

وسمح فيها بطباعة كافة الكتب عدا كتب "الفقه"، و"التفسير"، و"الحديث الشريف"، و"علم الكلام" بموافقة شيخ اﻹسلام "ينيشهيرلي عبد الله أفندي" الذي أدرجت فتواه في نص فرمان السلطان، وأضيفت كذلك إشادة مجموعة من العلماء والقضاة لرسالة "وسيلة الطباعة" لمتفرقة بكلمات تؤكد تأييدهم لفكرة تاسيس المطبعة.

معجم "وان قولو"

أول عمل يرى النور من مطبعة "متفرقة" هو معجم "وان قولو" في مجلدين، وهو الترجمة العثمانية لمعجم "الصحاح" اللغوي الذي وضعه "إسماعيل بن حماد الجوهري" في القرن الرابع الهجري، وترجمه إلى التركية العثمانية "محمد بن مصطفى الواني" في القرن السادس عشر .

حرق المطبعة و تدميرها

في عام 1730 قامت ثورة بقيادة ضابط البحرية "خليل باتروني"، وشارك فيها متشددون لم تَرُق لهم التجديدات اﻷوروبية، و كذلك الخطاطون والعاطلون عن العمل، و أدت إلى عزل السلطان "أحمد الثالث" وقتل الصدر اﻷعظم "إبراهيم باشا"، وتدمير المطبعة.

وبعد عقد من الزمن أعيد بناء المطبعة، وبقيت تعمل بصورة متقطعة حتى عام 1783.

وفاة "متفرقة"

استمر "متفرقة" بطباعة الكتب بشكل منتظم حتى قبل وفاته عام 1747. لتطوى بذلك صفحة تاريخية هامة من ذاكرة التاريخ اﻹسلامي لتأسيس هذا الاختراع الذي ساهم في تغيير شكل العالم الإسلامي في القرون التالية.