Menu

هل تحولت الحملات العثمانية من الغرب إلى الشرق العربي؟

تركيا العثمانية / قسم المتابعة/ بدا منتفخًا للغاية وهو يصعد الدرَج إلى عرشه، ثم استدار لوزرائه بعينين متسعتين وصوت جهوري يملؤه الجشع والطمع: "أرسلوا قاصدا من عندي إلى سلطان المماليك، ولتتجهز الجيوش للزحف نحو الشرق".
هكذا تحدث السلطان العثماني سليم الأول بعد أن اقتنع بضرورة غزو الشرق العربي بدلا عن الزحف إلى الغرب، طمعًا في ثروات هذه البلاد.
لكنه ليس مشهدًا مقتبسًا من كتب التاريخ، بل هو ما عرضه مسلسل ممالك النار، الذي أنتجته وبثته مؤسسات فنية لدول تناصب تركيا العداء، وفيه كان الحرص على إبراز الدولة العثمانية في ثوب المغتصب الجشع الطامع في الثروات، ودعمت لدى الناس أن تحول العثمانيين من الحملات الموجهة للغرب إلى بلاد العرب، لم يكن إلا من أجل كنوز الشرق، دون إبداء الأسباب الحقيقية التي أكدها المؤرخون العرب أنفسهم.
فأين الحقيقة؟
ابتداءً لا ننكر أن الدولة العثمانية التي صارت القوة الإسلامية الأبرز في هذا الوقت كانت تسعى للعالمية شأنها شأن جميع الممالك والإمبراطوريات، التي ترى في التوسع حماية لأطرافها المترامية وما يسمى حاليا بالأمن القومي، فإنها إن لم تزدد فإنها ستأخذ في النقصان، لكن هناك بعدٌ آخر غاية الأهمية ذكره المؤرخ التركي في كتابه "الدولة العثمانية المجهولة"، وهو أن الدولة العثمانية لم تؤسس على قيم مادية كالوطن أو العنصر، بل على مبدأ تأمين السعادة في الدارين المنبعث من كونها حاملة للمنهج الإسلامي، وبهذا المفهوم كان الغزو والتوسع من أجل تأمين حرية الدخول في الإسلام لمن أراد، وتأمين حياة كريمة مطمئنة في ظل الإسلام لمن رفض الدخول فيه.
ولكن لماذا أوقفت الدولة العثمانية زحفها باتجاه الغرب مع أن أجزاء واسعة جدا من أوروبا خضعت لنفوذها؟ هل كان طمعًا في ثروات العرب؟

ولماذا لم تفعل إذن من البداية؟ بل إنها ارتبطت بالدول العربية بعلاقات طيبة، تدل عليها المراسلات بين محمد الفاتح، وسلطان مصر وشريف مكة بعد فتح القسطنطينية، والتي يتبادلون فيها التهاني بمناسبة الفتح، ودقت الطبول وعلقت الزينة في شوارع القاهرة ابتهاجا بذلك، كما أن العثمانيين أمدوا المماليك بالأخشاب اللازمة لبناء سفن الأسطول في حربهم ضد البرتغال إضافة إلى المدافع العثمانية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
فما هي الدوافع إذن لتحول العثمانيين باتجاه الشرق العربي؟
المؤرخ المصري الدكتور محمد أنيس رائد مدرسة التاريخ الاجتماعي في مصر، ذكر في طيات كتابه الماتع "الدولة العثمانية والشرق العربي"، جملة الأسباب التي ذكرها المؤرخون حول هذه المسألة.
من المؤرخين من يقول إن الدافع كان بلوغ الدولة العثمانية مرحلة التشبع في فتوحات أوروبا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وأنه كان عليها البحث عن ميادين جديدة، لكن في الحقيقة الدولة لم تنقطع تماما في الجبهة الغربية، ولكن نقلت مركز الثقل من البلقان في الغرب إلى مصر والشام والحجاز في الشرق، ومنذ أوائل القرن السادس عشر وموقف العثمانيين تجاه الغرب قد أصبح دفاعيا أكثر منه هجوميا.
لكن حتى لو صح هذا الرأي، فإن جمعا من المؤرخين قد أكدوا أن تحول العثمانيين تجاه الشرق العربي كان بسبب الأحداث الجسام التي حدثت في المنطقة وما حولها في أوائل القرن السادس عشر.
المؤرخ أرنولد توينبي كان يرى أن وجود قوتين في الطرفين الشرقي والغربي من الشرق الأدنى يجعل بالضرورة مناطق الشرق العربي ميدانا للنزاع السياسي والعسكري بين هاتين القوتين، ويعني هنا العثمانيين والصفويين.
الدولة الصفوية في إيران والتي تكونت على أساس ديني وهو المنهج الشيعي، استطاعت إخضاع العراق فأصبحت متاخمة للحدود العثمانية، وعملت على مد نفوذها في المنطقة وفرض مذهبها الديني بالقوة، كما أنها استفزت الدولة العثمانية بإثارة الاضطرابات المذهبية داخل الأناضول، ما أوقعها في مواجهات مع الدولة العثمانية، أشهرها موقعة جالديران عام 1514م والتي انتصر فيها العثمانيون بقيادة سليم الأول.
وكانت دولة المماليك في مصر والشام قد ضعفت عن ردع الخطر الصفوي، لذلك يعتقد توينبي أن دخول العثمانيين الشام ومصر كان حلقة في الصراع بين القوتين العثمانية والصفوية، نظرًا للموقع الاستراتيجي لمصر والشام وأهميتهما في هذا الصراع، خاصة وأن السلطان الغوري سلطان مصر والشام، كان موقفه غير واضح من الصراع العثماني الصفوي، بل هناك آراء تتجه إلى أنه مالأ الصفويين ضد العثمانيين بدليل أن إحدى إمارات السلطنة المملوكية "ذو الغادر" اتخذت موقفا عدائيا ضد العثمانيين في حربهم مع الصفويين، حيث منعت إمدادهم بالمؤن، وقيل أن ذلك كان بإيعاز من السلطان المملوكي نفسه.
أما أخطر الدوافع وأشدها التي كانت وراء هذا التحول الاستراتيجي للعثمانيين، فكان الزحف البرتغالي على حدود الشرق العربي ومنافذه البحرية، ولم يكن مِن سبيل للعثمانيين لحماية المنطقة من ذلك الخطر إلا بخروجهم إلى هذه البلاد المطلة على تلك المنافذ البحرية.
فبعد النهضة الملاحية التي عاشتها البرتغال في أواخر القرن الرابع عشر، تعقبت قواتها المسلمين في الشمال الإفريقي الذين طردوا من الأندلس، ثم امتد نفوذها في الساحل الإفريقي في القرن الخامس عشر، ثم زحفت إلى الهند في مطلع القرن السادس عشر، وتبنت سياسة احتكارية تقوم على إنشاء مراكز تجارية مسلحة في المحيط الهندي واتجهت للسيطرة على البحر الأحمر.
عندما دب الضعف في الدولة المملوكية وعجزت عن دفع الخطر البرتغالي الذي تفاقم، اتجهت الدولة العثمانية لرد ذلك الخطر، وكان لابد لها من فرض سيطرتها على مصر والشام والحجاز واليمن، وحول هذا يقول المؤرخ محمد أنيس: "ورثت الدولة العثمانية تركة الدولة المملوكية المثقلة بالمسؤوليات وفي مقدمتها الخطر البرتغالي الذي يهدد البحر الأحمر، فسارت الدولة العثمانية بصفة عامة في نفس الخطط التي كانت تسير عليها الدولة المملوكية في مواجهتها للخطر البرتغالي وذلك ببسط نفوذها في الحجاز واليمن باعتبارهما قواعد ارتكاز لمحاربة النفوذ البرتغالي، وتلا سقوط مصر في أيدي العثمانيين أن سقطت الحجاز في يدهم سقوطا تلقائيا.
ثم يدلي المؤرخ المصري بشهادة تجاه أغراض دفع العثمانيين للخطر البرتغالي فيقول: "نحن نعتقد أن هذه السياسة العثمانية في البحر الأحمر كانت تقوم على أساس واحد وهو إنقاذ البحر الأحمر من الخطر البرتغالي وليس على أساس إحياء تجارة الشرق في البحر الأحمر ومصر".
فتلك هي الأسباب الحقيقية التي اعتمدها المؤرخون في تحول العثمانيين إلى الشرق العربي، تلك السياسة التي كان لها أثر عظيم في بلاد العرب، حيث أنقذت الدولة العثمانية العالم السني من خطر الصفويين، كما حمت الحجاز من زحف البرتغاليين الذين كانوا يستهدفون الحرمين، وخلقت وحدة سياسية جديدة في الشرق الأوسط بعد تفكك الدولة العباسية.