Menu

صفحات من التاريخ.. تعرف على حروب أكتوبر العثمانية

تركيا العثمانية

 

في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1448، انتصر العثمانيون في عدد من المعارك الفاصلة، كما مُنوا بعدد من الإخفاقات المذلة، وهذا المقال يرصد بعضا من هذه المعارك القاسية التي سطّر العثمانيون فيها صحائف المجد، ورفعوا رؤوسهم عالية في صعيد الموقف الدولي آنذاك، كما نقف مع أبرز الإخفاقات المريرة التي ترتّب على آخرها سقوط العثمانيين بالكلية.

 

معركة كوسوفو الثانية (أكتوبر/تشرين الأول 1448م)

 كان السلطان «مراد الثاني» قد توغل في بلاد البلقان بنفسه وعن طريق قواده مما آثار الصرب، فحاولوا في أكثر من مرة استغلال غياب السلطان عن أوروبا في الهجوم على الجيوش العثمانية في البلقان وما جاورها، ولكنهم فشلوا في تحقيق انتصارات تذكر على العثمانيين.

 

 اتحدت كل من المجر وبولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية وبيزنطة والبابوية وبرغونديا، وتشكل من هذا الحلف حملة عرفت باسم «الحملة الصليبية الخامسة» ضد العثمانيين، وكانت من أخطر الحملات الصليبية قوة وشراسة، اضطر معها المماليك في مصر والشام إلى تقديم العون إلى العثمانيين بفك الضغط عنهم وبمهاجمة فرسان الإسبتارية في جزيرة رودس؛ للحيلولة دون مهاجمة العثمانيين من الجنوب، وقد تمكن العثمانيون من رد هذه الحملة عند منطقة فارنا في سنة 1444م.

 

بعد فارنا بأربع سنوات جهزت «الحملة الصليبية السادسة» للانتقام من العثمانيين، وتألفت من المجر وألمانيا وبولونيا وصقلية ونابولي والبابوية ومولدافيا، وكان الجيش الصليبي هذه المرة مكونًا من 100 ألف جندي، كانوا قد وصلوا إلى منطقة كوسوفو، وكان السلطان مراد قد أسرع الخطا وصاحبًا معه ولده الأمير محمد الثاني «الفاتح»، وكان يبلغ من العمر 16 عاما آنذاك.

 

التقى الفريقان لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال في 17 – 19 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1448م/854هـ، وكان الطرفان يملكان أسلحة قوية على رأسها المدافع. كانت إستراتيجية العثمانيين في هذه الحرب إبراز الانشقاقات والفروقات بين الفرق الصليبية التي كانت تجهل لغات بعضها، وفي اليوم الأخير من المعركة كان السلطان مراد قد كلف طورخان باشا بإغلاق طريق العودة، وعند المساء كانت الوحدات الصليبية الكبرى للعدو قد أُبيدت.

 

كانت خسائر الصليبيين فادحة، فقد قُتل 17 ألف قتيل، وأُسر الباقي، وبلغ عدد الشهداء من العثمانيين 4 آلاف شهيد، وعقب انتصار العثمانيين في معركة «كوسوفو الثانية» تحوّل الأوروبيون من موقف المهاجم إلى المدافع، وتوقفت أوروبا عن التفكير في إخراج الأتراك من البلقان.

حرب القرم (أكتوبر/تشرين الأول 1853 – 1856م)

 كانت روسيا القيصرية منذ النصف الثاني من القرن الـ 18 الميلادي قد بدأت في تضييق الخناق على الدولة العثمانية من جهة الشرق، وكانت تتطلع للسيطرة على منطقة القوقاز والبحر الأسود، فضلاً عن دعم المتمردين في ولايتي البغدان والأفلاق ومنطقة أوكرانيا، بل تمكنت روسيا من السيطرة على شبه جزيرة القرم؛ وبذلك بدأت في إرغام أنفها فيما يحدث في منطقة البحر الأسود.

 

ونتيجة للضعف العثماني المطرد، تقدم الروس خطوة إلى الأمام حين أعلنوا سنة 1853م عن طلبهم من الدولة العثمانية بوضع الأرثوذكس تحت الحماية الروسية، وأرسل الروس ذلك الطلب على يد سفير فوق العادة اسمه «منتشيكوف» قدّمه للباب العالي بمنتهى الغطرسة والتكبر؛ الأمر الذي قابله العثمانيون بالرفض والطرد.

 

 أصبح هذا الرفض العثماني في نظر الروس سببًا كافيًا لإعلان الحرب على الدولة العثمانية، فابتدأت الحرب في أكتوبر من ذلك العام، وتمكنت روسيا من السيطرة على مملكتي الأفلاق والبغدان، وكانت روسيا قد دمرت الأسطول العثماني في موقعة سينوب في نوفمبر من نفس العام؛ مما فتح الطريق أمام الروس للاستيلاء على المزيد من الأراضي العثمانية.

 

رأت فرنسا وبريطانيا أن ترك العثمانيين فريسة للروس سيهدد من تطلعاتهما وطموحاتهما، وسيؤدي إلى جعل الروس قوة عالمية قاهرة، فقعدتا اتفاقًا في مارس/ آذار 1854م يقضي بالدفاع عن الدولة العثمانية، وتدخلت القوات الفرنسية والبريطانية بأعداد كبيرة في الحرب، وكانت أرض المعركة في القرم، على أن الحرب استمرت إلى ثلاث سنوات، اضطرت معها الدولة العثمانية إلى الاستدانة من الخارج، وإلى التنازل للحلفاء من الفرنسيين والبريطانيين، لكن الحرب انتهت بمعاهدة 30 مارس/ آذار 1856م في باريس، والتي استهدفت سد الطريق أمام التقدم الروسي في الأراضي العثمانية.

 

وبينما كان الهدف من حقوق المواطنة الممنوحة للرعايا غير المسلمين هو قطع الطريق على روسيا للحيلولة بينها وبين استغلال ذلك النقص، كان تحويل البحر الأسود هو الآخر إلى منطقة منزوعة السلاح محايدة يقف حائلاً دون أي اعتداء ورسي قد يأتي من تلك الجهة، وانسحب الروس من الأفلاق والبغدان «رومانيا وبلغاريا»، وأدت هذه المعاهدة إلى انتشار الهدنة بين الأطراف المتنازعة أو سيادة الهدوء لمدة 20 سنة مقبلة.

حرب البلقان (أكتوبر/تشرين الأول 1912م)

 

 نتيجة الضعف المتوالي للدولة العثمانية، كانت الإمارات العثمانية الأوروبية في شبه جزيرة البلقان. وبإيعاز من الدول الكبرى مثل روسيا والنمسا قد شكلت تحالفات نتجت عن سلسلة من المعاهدات الثنائية التي أُبرمت في سنة 1912م بين تلك الدول، وكان الهدف من ورائها مواجهة وإضعاف الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على البلقان حينذاك.

 

 لقد كان البلقان يمور منذ مطلع القرن العشرين، بسنوات من حرب المليشيات والعصابات في كل مقدونيا وتركيا الفتاة والأزمة البوسنية التي استمرت لفترة طويلة، وأدى اندلاع الحرب الإيطالية العثمانية في 1911م إلى تهوين العثمانيين وإضعاف موقفهم؛ مما شجع دول البلقان على الانفصال والثورة.

 

وتحت طلب روسي أصلحت صربيا وبلغاريا من خلافاتهما وأبرما تحالفًا، كان في الأصل موجهًا ضد النمسا-المجر في 13 مارس/آذار 1912م، لكن بوصلة التحالف السرية كانت قد وجّهت ضد الدولة العثمانية. وكانت صربيا قد وقعت تحالفًا متبادلًا مع الجبل الأسود، بينما فعلت اليونان وبلغاريا الأمر نفسه، وبهذا صارت الدولة العثمانية مهددة من الشمال والجنوب والغرب.

 

 ووفقًا لاتفاقية بلغاريا وصربيا كان القسم الأكبر من ألبانيا من نصيب صربيا، وبصورة مباغتة بدأت الحرب في 8 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1912م بين تركيا من جهة، والجبل الأسود وبلغاريا وصربيا واليونان من جهة أخرى، ومن خلفهم روسيا التي كانت تقدم الدعم والعون لرابطة دول البلقان.

 

سرعان ما تكبدت الدولة العثمانية خسائر كبيرة خلال الحرب، ووقعت اتفاقية عسكرية في 3 ديسمبر/ كانون الأول 1912م، بعد أن طلب العثمانيون عقد هدنة لوقف القتال. اجتمع المتحاربون في مؤتمر لندن، وطلب المنتصرون البلقان من الدولة العثمانية التخلي عن أراضيهم ودفع تعويضات مالية جراء الحرب، غير أن الدولة العثمانية رفضت تلك المطالب؛ مما أدى إلى استئناف الحرب بدءًا من 3 فبراير/ شباط حتى 3 مايو/أيار 1913م، وتمكنت كل من بلغاريا واليونان والجبل الأسود من السيطرة على مزيد من الأراضي في شبه جزيرة القرم؛ الأمر الذي اضطر معه العثمانيون وهم في موقف من الضعف والانكسار إلى الذهاب إلى مؤتمر سلام ثانٍ في لندن في 20 مايو/ أيار 1913م تحت رعاية القوى العظمى، وتم التوقيع على معاهدة سلام في 30 مايو/ أيار، تخلت الدولة العثمانية بموجبها عن معظم أراضيها الأوروبية.

هدنة مودروس (30 أكتوبر/تشرين الأول 1918م)

دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى بجانب دول المحور بزعامة ألمانيا في سنة 1914م لأسباب عدة، منها اشتباك الأسطول العثماني مع الأسطول الروسي في البحر الأسود، وكان هذا الاشتباك بأمر مباشر من قادة الأسطول الألمان، وقد رأت حكومة «الاتحاد والترقي» بزعامة جمال باشا وأنور باشا وطلعت باشا، أن فك الضغط على الألمان من الجهة الشرقية في البحر الأسود وشرق البحر المتوسط وفي الشام والعراق ومصر، قد يحرر العثمانيين من الضغوط التي ألقاها على عاتقهم الحلفاء بقيادة بريطانيا وألمانيا في أوقات سابقة، ويرد اعتبارهم أمام العدو اللدود وهي الدولة الروسية.

 

 وعلى الرغم من التسرع في هذا القرار بسبب الضعف العسكري والاقتصادي العثماني، فإن أربع سنوات من الحرب الطاحنة أدت في نهاية المطاف إلى هزيمة ألمانيا وحلفائها، وعلى رأسهم الدولة العثمانية التي دخلت مرغمة إلى مباحثات الهدنة والتسوية، أمام الحلفاء المنتصرين الذين تمكنوا من حصار الدولة العثمانية ومياهها الإقليمية. وفي 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1918م، أبرم وزير الشئون البحرية العثمانية «رؤوف أورباي بك» والأميرال البريطاني «سمرست آرثر كوف» معاهدة في ميناء مودروس في جزيرة ليمنوس اليونانية.

 

وكانت شروط هذه المعاهدة مُذلّة؛ فقد استسلم العثمانيون في مواقعهم المتبقية خارج الأناضول، وأُرغموا على أن يحتل الحلفاء مضايق البسفور والدرنديل، فضلاً عن حقهم في السيطرة على إقليم عثماني في حالة وجود ما يعكر صفو المحلتين، وأرغم العثمانيون كذلك على تسريح الجيش، وإخضاع الموانئ والسكك الحديدية والقواعد العسكرية الإستراتيجية لاستخدام الحلفاء، واستسلام القوات العثمانية في اليمن والعراق وسورية والحجاز، وتقهقر العثمانيين من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها في إيران وأذربيجان.

 

 وكانت الطامة الكبرى حين سيطر الحلفاء على العاصمة العثمانية «إسطنبول»، وتلا ذلك إبرام معاهدة سيفر في أغسطس/آب سنة 1920م، لكن سرعان ما اندلعت حرب الاستقلال التركية بقيادة القوميين الأتراك وبزعامة «مصطفى كمال أتاتورك»، والتي ترتب عليها إبرام اتفاقية لوزان سنة 1923م، والتي لا تزال حدود تركيا الحالية منبثقة عنها إلى اليوم.