Menu

غزة : "جمانة" تلتقي والدها بعد 17 عاما قضاها في السجون الإحتلال

تركيا العثمانية / غزة/هاني الشاعر/الأناضول-

بعد 17 عاما، أعادت مريم أبو جزر (80عاما) الأمانة، لولدها علاء أبو جزر (43 عاما).

وعلى أبواب معبر (إيرز/بيت حانون)، الواصل بين قطاع غزة، وإسرائيل، قالت الأم، لابنها، بينما كان يخطو أولى خطواته داخل أراضي القطاع، (في ساعة متأخرة من مساء الأٍربعاء)، بعد 17 عاما، قضاها في السجون الإسرائيلي:" استلم الأمانة"، وهي تشير لابنته "جمانة".

وبعد أن أنشدت أهازيج تراثية فلسطينية، احتفالا بنجلها، قالت الأم:" حفظت الأمانة، استلمتها وهي عمرها أربعة أشهر، وسلمتها لأبيها وهي دكتورة بالجامعة؛ حفظت القرآن، وتعلمت الإنجليزية".

والتحقت الابنة "جمانة"، العام الماضي، بكلية "طب الأسنان"، بجامعة الأزهر، بعد أن حصلت على معدل عال في الثانوية العامة.

واعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، علاء أبو جزر، عام 2003، وحكم بالسجن عليه، لمدة 17 عاما، حارمة إياه من طفلته "جمانة"، التي كانت تبلغ من العمر 9 أشهر.

ولم تتمكن جمانة من زيارة والدها في السجن الإسرائيلي، إلا مرتين، آخرها وهي في سن الثانية عشرة من عمرها؛ لتُمنع من زيارته بعدها، بحجة "الرفض الأمني" من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

وواجهت جُمانة في حياتها، العديد من نوائب الدهر، بالإضافة لاعتقال ولدها، حين سبق أن توفيت والدتها، وهي ابنة 4 شهور.

ولم تكن هذه المأساة الأخيرة في حياتها، فقبل أن تُكمل الطفلة الخمسة أعوام توفي جدها "شحادة أبو جزر"، الذي كان بمثابة أب لها، بعد أن منعته سلطات الاحتلال من السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، إثر مرضه.

وتولى مهمة الأب بعد وفاة جدها، عمها "أيمن" الذي حاول تعويضها حنان والدها وألم فقدان جدها.

لكن هذا الأب الثالث، فقدته جمانة أيضا بعد أن استشهد في قصف شنته طائرات إسرائيلية قرب منزله في مدينة رفح عام 2009.

ومنذ اعتقال والدها، تكفلت جدتها مريم، بتربيتها، معتبرة إياها "أمانة"، يجب المحافظة عليها، إلى أن يأتي الوقت الذي يستردها فيه والدها.

وطوال الطريق الواصل بين معبر (إيرز-بيت حانون) ومدينة رفح، البالغ نحو 40 كيلومترا، حيث تقطن العائلة، ظلت الابنة "جمانة"، تحتضن والدها، وتقبله.

وفي منزل العائلة، قالت جُمانة، إن من الصعب عليها أن تصف مشاعرها، وفرحتها.

وأضافت في حوار خاص مع وكالة الأناضول "مشاعري لا توصف؛ فرحة لم أعشها من قبل؛ بقيت على أمل وحُلم لهذه اللحظة".

وأكملت "لم أكن أتخيل شكل والدي هكذا، فهو يختلف عن الصور التي كنت أراها؛ بعد 17عامًا أن أرى والدي، هذا كفيل أن يجعلني أبكي من شدة الفرح، لم أتركه منذ خروجه من الحاجز حتى المنزل".

وتضيف "كل شيء حلمت أن يتحقق مع والدي سأحققه الآن، وسأبقى معه، وسآخذه للجامعة (كلية طب الأسنان) لأفتخر به أمام الجميع، وعند تخرجي وتفوقي سيشاركني ذلك، وسأذهب معه في كل مكان".

وتتابع جُمانة "صعب كثير هو شعور الحرمان من الأب والأم، لكن الله عوضني بأبي بعد التحرر، وهي اللحظة التي انتظرتها 17عامًا من المعاناة والانتظار".

وتضع "جمانة" منذ سنوات عديدة الكثير من صور والدها، على جدران المنزل، وتقول إنها كانت تتأملها وتقبلها يوميا.

وتقول إنها انتظرت والدها 12 ساعة كاملة على بوابات المعبر.

وطوال تلك الساعات، كان الخوف والقلق يراودها من إمكانية تراجع الاحتلال مُجددًا عن الإفراج عنه.

وحين وصل الوالد، الجانب الفلسطيني من المعبر، ركضت "جمانة" مسرعةً، تحتضنه، وتقبل يده وجبيه، قبل أن يدخلا في نوبة بكاء شديدة.

أما والدة المعتقل السابق، الثمانينية، مريم أبو جزر، فوصلت المعبر، على كرسي متحرك، وتعالت زغاريدها؛ وهي تقول لابنها الذي احتضها وطبع على رأسها عشرات القبل: "استلم الأمانة يا أبو جُمانة".

وقال المُحرر، علاء أبو جزر، والد "جُمانة":" مشاعري مختلطة، فرح بعد التعب والحرمان والشوق؛ لا أعرف ماذا أقول".

وأضاف مستدركا في كلمات قصيرة، لمراسل الأناضول:" لكني أتمنى أن يعيش جميع الأسرى في سجون الاحتلال، هذه اللحظات الجميلة".

ويتابع، وسط جموع المهنئين باستقباله: "ابنتي عاشت وأنا بعيدٌ عنها، وكنت أتألم كل يوم لذلك، وأنتظر احتضانها وتربيتها، وذقت مرارة الحرمان من الأبناء والأهل، كما كل الأسرى الذين يعانون ذات الأمر".

وأصر أبو جزر، قبل أن يتوجه لمنزله، أن يرافق ابنته "جُمانة" وأقربائه، لمقبرة عائلته؛ ليقرأ الفاتحة على قبر والده وزوجته وشقيقه، وزيارة معبر رفح البري الذي اعتقل من أمامه، وطلب أن يتجول في طرقات المدينة.

أما الأم، فقالت لوكالة الأناضول، معيدة ما قالته لابنها في المعبر:" حفظت الأمانة، استلمتها هي عمرها أربعة أشهر، وسلمتها لأبوها وهي دكتورة بالجامعة".

وتضيف:" لا أحد يعيش فرحتي الآن، طويت ملف المعاناة والوجع والأحزان؛ وألقيت به في البحر، وفتحت صفحة فرح جديدة فيما تبقى من عمري؛ أكبر فرحة أن يحتضن ابني ابنته التي حرم منها وحرمت منه، ويعوضها سنوات صبرها ومعاناتها".