Menu

النفوذ التركي في ليبيا.. أوروبا تراقب والجوار منقسم

تركيا العثمانية / قسم المتابعة/ كشف إعلان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ الأحد في ليبيا، عن حجم النفوذ الذي تتمتع به تركيا في هذا البلد الذي يعيش أزمة سياسية وأمنية، منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.
ومما لا شك فيه أن الدور الجديد لأنقرة في الملف الليبي، يأخذ منحا تصاعديا، على حساب أدوار تقليدية مارستها أوروبا التي كانت حتى وقت قريب لاعبا مهما في الساحة السياسية لليبيا، في حين تشهد دول الجوار انقساما واضحا تجاه ما يجري.


تركيا تلقي بثقلها

 
كان موقف تركيا من الأزمة الليبية متقدما على غيره منذ هجوم الرابع من نيسان/ أبريل الماضي الذي يشنه اللواء القادم من الشرق، خليفة حفتر، المتهم بقيادة الثورة المضادة، وخوض حرب بالوكالة على النفوذ، وموارد البلاد، تحت مزاعم الحرب على الإرهاب، نيابة عن أطراف دولية، لا سيما مصر والإمارات وفرنسا، وروسيا، وآخرين، ممن لا يخفون دعمهم للضابط السابق في نظام القذافي.


استند التدخل التركي في ليبيا إلى ركيزة أساسية، وهو اعتراف المجتمع الدولي بحكومة الوفاق التي أبرمت مع أنقرة مؤخرا اتفاق أمني مهد لإرسال قوات تركية إلى ليبيا في إطار طلب تقدمت به الأولى رسميا بهذا الشأن، بهدف صد هجوم حفتر على العاصمة طرابلس، الأمر الذي أعطي أنقرة مبررات وجيهة للتدخل، غير أبهة بسيل التصريحات الدولية الرافضة لهذا الاتفاق وما ترتب عليه.



ورغم أن التواجد العسكري التركي في ليبيا محدود حتى الآن، ولم يأخذ فرصة الدخول بثقله المعروف في القتال الدائر حول طرابلس، ووضع على ما يبدو كحل أخير لمعضة تواصل الهجوم على طرابلس، إلا أنه ألقى بحجر كبير، سياسي وعسكري، ودفع باتجاه وقف لاطلاق النار بدأ سريانه الأحد، بعد أن اقترحته تركيا وروسيا، ووافقت عليه حكومة الوفاق، في حين اضطر حفتر لاعلان القبول به، بضغط روسي واضح، رغم تصريحات أطلقها قبيل دخول الموعد المحدد وأعلن فيها رفضه الإذعان إلى وقف النار.


الجوار منقسم


تغيب الرؤية المشتركة لدول الجوار، لا سيما العربية، مصر، تونس، الجزائر، السودان، إزاء ما يجري في ليبيا، رغم اعترافها جمعيا بحكومة الوفاق الليبية.


ففي حين لزمت تونس والجزائر الحياد تجاه ما يجري، تدعم مصر حفتر عسكريا وسياسيا وتفتح أبوابها للحكومة الموازية في الشرق، وبرلمان طبرق، اللذين يساندان حفتر في هجومه، فيما يتهم السودان ما بعد عمر البشير بالوقوف مع حفتر، حيث قالت صحيفة الغارديان في تقرير لها، إن آلاف من المرتزقة السودانيين ممن ساهموا في الإطاحة بالبشير انتقلوا لدعم حفتر ومساعدته في السيطرة على حقول النفط.


وتعليقا على الدور التركي الجديد في ليبيا، كتب المحلل السياسي السنوسي بسيكري  قائلا، إن السياسة التركية بدت أكثر تماسكا حيال التطورات الأخيرة في الأزمة الليبية، وجاءت كردة فعل على الدعم المتنوع والمتراكم لحفتر منذ سنوات تورطت فيه عواصم عربية وغربية.


ولفت إلى أن  "مقاربة أنقرة للأزمة محرجة للأطراف الداعمة، ومحرجة أيضا للعواصم التي وقفت متفرجة أمام اختطاف الملف الليبي من قبل المنحازين لحفتر، ومنها برلين، وروما، ولندن وحتى واشنطن، فتركيا واجهت القوة بالقوة، ومكن الدعم التركي حكومة الوفاق وقواتها من الصمود أمام الطيران الأجنبي، والمرتزقة المدربين والمدافع الحديثة، فصار السعي لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات جديا، بعد أن ظل شعارات منذ الأسبوع الأول من الحرب".


ورأى ان تركيا وظفت تقاطعات مصالحها المهمة مع الروس والأمريكان لتوجيه الأحداث بعيدا عن خزينة مكاسب حفتر، ومن ثم تعزيز نفوذها في ليبيا.

وشدد على أن أنقرة التي حثت موسكو للضغط على حفتر للاستجابة للإعلان، يهمها أن تنجح في فرض مقاربة دولية متوازنة لحل الأزمة الليبية، لهذا تحرص على استمرار دعمها العسكري للوفاق وتوظيفه للضغط باتجاه الحل السياسي المتوازن.


وتابع قائلا: "قوة الموقف التركي ليس فقط في الذراع العسكرية، بل في حسن تعاملها مع تقاطعات المصالح مع أهم طرفين دوليين في الأزمة الليبية، وهما الولايات المتحدة وروسيا، ولأن كلا منهما يحرص على أن يكسبا تركيا في معسكره في ظل الاصطفاف الدولي الراهن، لهذا لم تعلن واشنطن عن رفضها للسياسة التركية تجاه ليبيا، خاصة الاتفاق الأمني والعسكري. وينبئ الإعلان المشترك لوقف إطلاق النار عن حرص موسكو على عدم مصادمة أنقرة في الساحة الليبية".

ورغم ذلك يقول بسيكري، إنه من المبكر الحكم بأن الأزمة الليبية قد شارفت عن الانتهاء، فأمام المحافظة على وقف إطلاق النار تحديات أهمها عدم رضا الجانبين عن نتائج القتال، بمعنى عدم رضا كل منهما عن تموقع الآخر عسكريا.


من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي جمال عبد المطلب، إن  الدور التركي في ليبيا ليس بالجديد، وأنقرة تربطها بليبيا علاقات ضاربة في عمق التاريخ حين استعانت لييبيا بالدولة العثمانية لصد هجمات فرسان مالطا، في القرن الخامس عشر الميلادي.


وأضاف عبد المطلب ، إن حالة الفراغ الحاصلة في الساحة الليبية، بفعل تراجع الدور الأوروبي التقليدي، دفع بتركيا لاشغال هذا الفراغ، حيث وقعت الأخيرة اتفاق مع حكومة الوفاق كان بمثابة مقدمة لإرسال قوات تركية للبلاد بالتزامن مع مجهود سياسي أفضى إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا.


وأضاف: "أوروبا أهملت ليبيا ولم تقم بالدور الكافي لمساعدتها على النهوض بعد الثورة، وخاص إيطاليا المجاورة التي تربطها شراكة اقتصادية مع طرابلس(..) وليس من العيب القول أن ليبيا تاريخيا لا تستطيع أن تقوم دون دعم دولي، حتى في الاستقلال دعمها المجتمع الدولي، وكل المحطات السياسية كانت بدعم دولي منذ عهد الملكية مرورا بفترة حكم القذافي، وصولا  الثورة التي دعمها حلف الناتو".


وشدد على أن الجهد التركي المنسق مع الروس والأمريكان يمهد لحالة من الاستقرار النسبي في ليبيا، وذلك بعد ممارسة أنقرة ضغوطا على الوفاق للقبول بوقف النار، والركون إلى الحل السلمي والقبول بالجلوس مع حفتر رغم كل ما ارتكبه من جرائم على قاعدة أن السياسية هي فن الممكن. و تفاديا لمزيد من الخسائر اذا ما استمرت الأزمة.

المصدر : عربي21