Menu

المؤرخ المصري محمد حرب : التاريخ العثماني يتعرض لأسوأ حملات تشويهه

تركيا العثمانية / قسم المتابعة/

* التاريخ العثماني هو نصف تاريخ الإسلام ولا ينبغي تجاهله من الخريطة الإنسانية

 

* الدولة العثمانية دائما ما تتعرض لافتراءات وأكاذيب كبيرة لا حد لها

 

* أفكاري في البداية كانت سيئة جدا عن العثمانيين إلى أن سافرت إلى تركيا عام 1973

 

* جميع الكتب التي تتحدث عن التاريخ العثماني بمصر هي كُتب مغلوطة وبها أخطاء فادحة

 

* محمد الفاتح سمح للأرمن لأول مرة بدخول القسطنطينية والتعبد فيها بعدما قام بفتحها

 

دافع المؤرخ المصري، البروفيسور محمد حرب، عن التاريخ العثماني، معتبرا أنه يمثل ذروة التاريخ الإسلامي في كل شيء، وأنه لا ينبغي لأي أحد أن يتجاهل دور العثمانيين في الخريطة الإسلامية والإنسانية.

ورأى حرب، في الحلقة الثانية من مقابلته الخاصة مع موقع "عربي21"، أن حملات تشويه تاريخ الدولة العثمانية طبيعية جدا، وأنه لا يهتم بها، مؤكدا أن "الدولة العثمانية دائما ما تتعرض للافتراءات والأكاذيب الكبيرة التي لا حد لها، وليست هي فحسب بل التاريخ الإسلامي كله، وحتى الرسول (ص) تعرض من الفئات الضالة لهجوم كبير".


ويُوصف البروفيسور "حرب" بأنه رائد الدراسات العثمانية في العالم العربي، كما يعد أول مصري يحصل على الدكتوراه في الدراسات العثمانية من جامعة إسطنبول في تركيا، ثم عمل أستاذا للتاريخ العثماني في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وأسس المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي في القاهرة، وهو يعمل حاليا مستشارا لرئيس جامعة صباح الدين زعيم (خاصة) بإسطنبول.

 

وفيما يلي نص الحلقة الثانية من المقابلة:

 

ما مدى أهمية التاريخ العثماني سواء للمسلمين والعرب أو للإنسانية؟

 

التاريخ العثماني هو نصف تاريخ الإسلام، بل إنه ذروة التاريخ الإسلامي في كل شيء سواء في العسكرية أو التنظيم المدني أو العمارة وصولا إلى المؤسسات التي كانت موجودة في العصور الإسلامية الأخرى لكن قام العثمانيون بتطويرها وارتقوا بها كثيرا.

وقد أضاف العثمانيون الكثير إلى الثقافة الدولية سواء في البلقان أو في الدول العربية أو حتى في أوروبا، ولا ينبغي لأي أحد أن يتجاهل دورهم في الخريطة الإسلامية والإنسانية.

كما أن التاريخ العثماني به أمثلة كثيرة جدا جديرة بأن تكون نموذجا للشعوب الإسلامية. وكمثال بسيط العثمانيون مثلا في عهد السلطان محمد الثاني الفاتح أنشأوا مستشفى للأمراض العقلية والعصبية بالطرق الطبيعية، وكانت بها مساحة كبيرة فيها أشجار وطيور وهكذا، وتتم معالجة من لديه مرض عصبي هناك، بينما في نفس الوقت كانت أوروبا إذا ما وجدت شخصا يعاني من مرض عصبي كانت الكنيسة تأتي به في ميدان عام أمام مقرها ويقوم القسس بحرقه بحجة أن الشيطان الموجود بداخله سيقفز منه، وهذا فرق خطير جدا.  

وأيضا كان الأرمن ممنوعون من دخول القسطنطينية قبل وجود المسلمين والفتح الإسلامي، وعندما قام محمد الفاتح بفتح القسطنطينية ذهب إليه شيوخ الأرمن وقالوا له إن القسطنطينية بالنسبة لنا "حياة" وطلبوا السماح لهم بدخولها، وبالفعل كان من عظمة محمد الفاتح أن سمح لهم بدخولها، وأمر بتخصيص عدة كنائس لهم ليتعبدوا فيها، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتمتعوا فيها بحرية دينية في ذلك الوقت.

لكن تعرض تاريخ الدولة العثمانية لحملة يراها البعض ممنهجة لتشويهه.. فكيف ترى هذه الحملات؟


أراها طبيعية جدا، وأنا شخصيا لا أهتم بها. وعلى سبيل المثال وجدت أفلاما فرنسية تقول إن العثمانيين عندما يدخلون في مكان يقتلون النساء، وهذا لم يحدث على الإطلاق، وإلا لكنّا قرأناه في كتبهم هم، وجاءت تلك المزاعم بحكم المعارك التي دخلها العثمانيون مع فرنسا.

والدولة العثمانية دائما ما تتعرض للافتراءات والأكاذيب الكبيرة التي لا حد لها، وليست هي فحسب بل التاريخ الإسلامي كله، وحتى الرسول (ص) تعرض من الفئات الضالة لهجوم كبير، وكلها ضلالات. ورغم أن هذه الحملات الأخيرة التي تهدف لتشويه التاريخ العثماني هي الأسوأ، إلا أنها لن تستطيع أن تغير شيئا من حقائق التاريخ.

ومن يقف خلف هذه الحملات برأيك؟

 

أنا في رأيي كل من يعادي العثمانيين يعادي الإسلام، وبالتالي كل الذين لا يحبون أن يرتقي الإسلام الاجتماعي ويتطور، وهناك الكثيرون الذين يقفون ضد تطور المسلمين، وهؤلاء عندما تبحث عنهم تجدهم ضد الإسلام، وبالتالي ضد التاريخ الإسلامي وخاصة التاريخ العثماني.

لماذا قلت إن التاريخ العثماني مظلوم؟


وأنا في مصر كنا نقرأ عن السلطان عبد الحميد الثاني أنه كافر وظالم وما إلى ذلك، وحتى السلطان محمد الفاتح كانوا يقولون عنه أشياء غريبة جدا تدعي أنه جاهل، وعندما كبرنا وتعلمنا عرفنا أن السلطان الفاتح كان شاعرا وأديبا، ويعرف عدة لغات، ومتطور عسكريا وفكريا، ويقرأ القرآن، ويحفظ الأحاديث، وكان أبى يقول لنا لا تعبأوا بكلام المناهج الدراسية لأن بها الكثير من المغالطات، فهل من المعقول أن يكون خليفة المسلمين شخص جاهل؟، وحينما كبرت أدركت الحقيقة.

وقد كانت أفكاري في البداية سيئة جدا عن العثمانيين، وبعدما سافرت إلى تركيا في منحة دراسية عام 1973 وجدت أن جميع الكتب التي تتحدث عن التاريخ العثماني في مصر كُتب مغلوطة وبها أخطاء فادحة، واكتشفت أن الحقائق والوثائق والمصادر الأصلية مختلفة تماما عما يُدرس لنا في مصر والعالم العربي.

قلت أن جميع الكتب التي تتحدث عن التاريخ العثماني في مناهج التعليم المصرية والعربية هي كُتب مغلوطة وبها أخطاء فادحة.. فما هي أبعاد هذا الأمر؟


حينما قامت انجلترا باحتلال مصر (1882-1910)، وهي أكبر البلاد العربية ثقافة وعدد سكان، أتوا بأحد القساوسة من بريطانيا وقالوا له: لقد احتللنا مصر عسكريا، لكننا نريد احتلالها ثقافيا.. فماذا نفعل؟، فقال لهم عليكم بتغيير كل مناهج التعليم في مصر، وكانت مهمة هذا الرجل هي تغيير كل مقررات المدارس المصرية التي كانت تقوم كلها على الإسلام وتهتم بالجوانب الثقافية والعبادات الإسلامية في هذا الوقت، وكل هذا تم إلغائه، وظهرت فكرة مدرسة مصرية جديدة على النمط البريطاني ثم على النمط الغربي، وبهذا أصبحت المدارس المصرية تقرأ التاريخ بمنظور بريطاني غربي.

وعندما أرادوا افتتاح الجامعة في مصر قاموا بإرسال بعض الشباب إلى أوروبا ليدرسوا التاريخ والأدب قبل افتتاح الجامعة، وبالفعل أرسلوا الطلاب المصريين إلى أهم المراكز الأكاديمية في بريطانيا، وهي كامبريدج وأكسفورد، ثم السوربون في فرنسا، وكانت مدارس كنسية حينها، حيث أقيمت على أوقاف دعمتها الكنيسة إلى أن تحولت وتطورت لجامعات، والطلاب المصريون الذين ذهبوا إلى هناك تعلموا كتب ومناهج الغرب في الأدب والتاريخ والفكر على أيدي القساوسة، مما جعلهم يكرهون العثمانيين.

وهكذا أجروا تغييرا كاملا في نظام التعليم الذي كان سائدا في البلاد الإسلامية، وهو التعليم الديني المدني المختلط، ووضعوا مناهج التعليم وفق الفكر الإنجليزي والدين المسيحي، ومن هنا بدأت المدراس المصرية تأخذ الفكر الإنجليزي والنهج الغربي في التعليم.

ومثلما جرت الأحداث في مصر تكرر الأمر في العديد من الدول العربية عبر الاستعانة بالمصريين أصحاب الأفكار المتغربة ليؤسسوا المدارس في الدول العربية، وأصبح العالم العربي لا يقرأ إلا بمنظار الغرب، وانتهى منظار الإسلام وحقائق التاريخ.

ومن المعروف أنه كان هناك صراعا طويلا بين الأوروبيين- وخاصة الإنجليز- والعثمانيين، وكانت الكنيسة الغربية تحديدا ضد العثمانيين، وبالتالي فكانت مناهج التعليم لديهم ولدى الدول التي احتلوها معادية للتاريخ العثماني تماما، بل كانت ضد الإسلام، وكل مواد التاريخ في الدول العربية فيها أخطاء كثيرة لا حصر لها في كل العهود.

إذا كان هناك موقف عدائي من أوروبا للتاريخ العثماني نظرا للمعارك السابقة بينهم.. فلماذا هذا الموقف موجود لدى الدول العربية من العثمانيين؟


لأن معظمهم تعلموا في الغرب وتشبعوا بأفكاره ومناهجه.

المصدر : عربي21